fbpx

سوريات في المجال الطبي والدفاع المدني يتحدين القصف

 

«لا يزال مشهد ذلك الطفل العالق الذي راح يحثني على مساعدة أمه وانتشالها من تحت الأنقاض عالقاً في ذاكرتي، لقد تجاهل قدمه المبتورة وتذكر أمه التي استشهدت قبل أن ترى فلذة كبدها وقد غدا معاقاً». بهذه الكلمات تستذكر بثينة المحمد (23عاما) المتطوعة في الدفاع المدني إحدى المشاهد المؤلمة التي عاينتها أثناء عملها.

وعن المشاق والمصاعب التي تواجه عمل الكوادر النسائية تقول «عمليات الإستهداف المركز على مراكز الدفاع المدني هي من أكثر الصعوبات التي نواجهها، فقد تم استهداف عدة مراكز نسائية نجم عنها استشهاد متطوعات وإصابة أخريات بجراح بليغة»، ومن المراكز التي تم استهدافها مركز جسر الشغور ومعرة النعمان ومركز إدلب المدينة التي قضت خلالها المتطوعة صبحية السعد العاملة بالمركز النسائي في مدينة إدلب، إضافة إلى وجود عشرات الإصابات بين المتطوعات.

مع استمرار القصف الهمجي والعشوائي من قبل النظام وحلفائه على الشمال السوري نزح الكثيرون ممن كانوا يعملون في القطاع الصحي من أطباء وصيادلة وممرضين إلى خارج سوريا، في الوقت الذي كانت البلاد فيه بأمس الحاجة إليهم، فأقدمت عدد من النساء على سد الفراغ الطبي الذي حدث فأسهمت في تشكيل نقاط طبية ومشافي ميدانية وعملت فيها، ومنهم سهام مخزوم (24عاماً) التي ساءها قلة الكوادر الطبية في منطقتها قياساً بعدد المصابين جراء القصف اليومي، وهو ما دفعها لتعلم مهنة التمريض عبر دورات مكثفة مشيرة إلى أن «خلو المشافي من الأعداد الكافية للكوادر الطبية غالباً ما يحول دون إسعاف كافة المصابين في الوقت المناسب والسرعة القصوى، ففي حين يتم إسعاف مصابين سيكون هناك مصاب آخر يترك ليموت نتيجة تباطئ علاجه»، وتتابع بسرد قصة جرت أمامها في مشفى معرة النعمان الوطني بينما كانت مرافقة لأخيها المصاب كسبب في تحول حياتها بالكامل «لم يكن هنالك إلا غرفة عمليات واحدة مجهزة بكل مايلزم من معدات بينما كان عدد المصابين كبيراً، كانت هنالك حالتان حرجتان لطفل في الخامسة من عمره ورجل ثلاثيني، وكان على الطبيب أن يسرع في الاختيار بينهما لإنقاذ حياته، فاختار الطبيب الطفل وراح يعمل جاهداً في إنعاشه، غير أن الطفل فارق الحياة، فسارع للرجل الثلاثيني ليجده هو الآخر وقد فارق الحياة، لنعلم لاحقاً أن الرجل كان والد الطفل وقد آثرا الرحيل معا». لا تخفي المخزوم تأثرها بهذه القصة كلما روتها والتي كانت سبباً رئيسياً لانضمامها للكوادر الطبية، علماً أنها لم تكن تتوقع انضمامها لهذا المجال، فقد كانت ربة منزل قبل ذلك وأبعد ما تكون عن العمل الإسعافي، ولكنها نجحت بعملها الجديد الذي وصفته بالـــ «إنساني».

وبحسب المدربة بمركز مزايا النسائي عبير الأحمد (35عاما) فهنالك إقبال «جيد على دورات التمريض التي تقدمها، فكل دورة يتراوح عدد المنتسبات لها ما بين 15 وال40 متدربة وتتراوح أعمارهن بين 16 و38 عاماً، ومدة الدورة الواحدة ثلاثة أشهر، يتم فيها تعليم المتدربات خلالها مبادئ التمريض والإسعافات الأولية».

لم تدخل النساء العمل الطبي فقط، بل اتجهن وبقوة إلى االدفاع المدني واستطعن المساعدة وإنقاذ الكثير من المدنيين، كعائلة أبو سليمان التي نجت من القصف في إدلب المدينة بسبب مساعدة نساء الدفاع المدني، وعن الحادثة يقول «تعرض منزلي للقصف، وكنت  مع عائلتي وخلال دقائق معدودة استطاعت فرق الدفاع المدني الوصول الى المنطقة وتمكنوا من إسعاف أطفالي وزوجتي إلى المشفى الميداني»، حيث تولت المتطوعات مهمة إنقاذ النساء والأطفال أثناء مرافقة المتطوعون الذين يتولون مهمة إسعاف الرجال ورفع الأنقاض بالأدوات المتاحة، كما وتعمل المتطوعات على المساعدة في إجلاء النساء من مكان القصف إلى أمكنة أكثر أمناً، وتختص مراكز الدفاع المدني النسائية، في توعية السكان حول مخلفات الحرب والتعامل مع القصف، وتأهيل الأماكن الأكثر أمناً في حالات القصف، إضافةً إلى الرعاية الطبية وتقديم الدعم النفسي في المدارس، والمشاركة في عمليات إنقاذ النساء داخل منازلهنَّ.

ارتفعت نسبة المتطوعات في فرق الدفاع المدني من الإناث خلال العامين الماضيين إلى أضعاف ماكانت عليه منذ تأسيس فرق الخوذ البيضاء في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، فقد بلغ عدد المتطوعات ضمن كوادر الدفاع المدني مايقارب 370 متطوعة، إلا أن متطوعات الدفاع المدني لم يسلمن من الانتقاد من قبل المجتمع، الذي يرفض فكرة عمل المرأة ضمن الدفاع المدني، لأن هذه المهمة يعتقد أنها خاصة بالرجال كونها تحتاج الكثير من القوة والشجاعة، غير أنها سرعان ما أثبتت كفاءتها في مواقف عديدة، وفي أصعب الظروف حتى باتت عائلات كثيرة اليوم تشجع بناتها على الإنضمام إلى صفوف الدفاع المدني.

افتتح أول مركز للدفاع المدني بتاريخ 2013 بحضور نسائي كان محدوداً في البداية ولكنه ازداد خلال السنوات التالية، وتتوزع مراكز الدفاع المدني النسائية على أربع عشرة مركز  ومنها في إدلب المدينة، معرة النعمان، سراقب، خان شيخون وغيرها. مدير الدفاع المدني في محافظة إدلب مصطفى الحاج يوسف (29عاماً) يتحدث لأنا إنسان عن المراكز النسائية بالقول «إن الظروف الصعبة التي نعيشها تتطلب مشاركة الجميع في عمليات الإنقاذ والإسعاف بعد كل عملية قصف تطال المدنيين، لذا كان لابد من مشاركة المرأة في المجال الطبي والدفاع المدني، فهي تشكل نصف المجتمع وتندفع بعاطفتها لتمد يد العون والمساعدة، إضافة إلى وجود حالات نسائية حرجة أثناء القصف تتطلب وجود منقذات».

هاديا منصور



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع