fbpx

صناعة الفخار على قيد الحياة في أرمناز

تحفظ الأواني الفخارية الماء بارداً في الصيف فيما يحافظ الماء على نقائه، ولا يكاد يخلو منزل من الجرار الفخارية، وبحسب أحد صانعي الفخار في بلدة أرمناز إحدى مناطق محافظة إدلب فإن “شرب القهوة بركوة الفخار له مذاق آخر يأخذك بعيداً”، ورغم أن المهن اليدوية في تراجع إلا أن صناعة المنتجات الفخارية على قيد الحياة.

يعود تاريخ صناعة الفخار في سوريا إلى الفينيقيين، حيث ازدهرت في العديد من المناطق إلا أن ما جعل أرمناز واحدة من المناطق التي تشتهر بهذه الصناعة هو تربتها الخاصة، والتي تعتبر المادة الأساسية لصناعة الفخار.

أحد العاملين في هذ المجال فيخبرنا أحمد الأحمد، نازح من حمص، ومقيم في أرمناز، ويعمل بهذه المهنة منذ 7 سنوات، يلخص العمل: “بداية نأتي بالتراب الخاص، ويوضع في جهاز الهزاز ليتم تنقيته من الشوائب، ثم يوضع في الخلاط لساعتين كاملتين حتى يذوب التراب مع الماء، ومن ثم فرشه على السطح لأجل تنشيفه بأشعة الشمس، وبشرط أن يكون السطح نظيفاً تماماً، وأخيراً العودة به إلى آلة العجانة حتى يصبح جاهزاً لوضعه على الدولاب بكميات محددة حسب الآنية المراد تصنيعها، وهنا يأتي دور الزخرفة والتزيين قبل وضع الآنية في الفرن القرميدي لأكثر من 8 ساعات متواصلة، لتكون بعدها جاهزة للبيع والاستخدام”.

وبالطبع فإن أجمل ما في الأواني الفخارية هو الزخرفة والزينة، والتي تحتاج إلى يد إبداعية، قادرة على نقش الأشكال الهندسية بمنتهى الدقة والحرفية. ليس هذا فقط، بل هناك نقوش عاشت لآلاف السنين إلى وقتنا هذا، منها الرومانية، ومنها ما هو شاهداً على الحضارة الإسلامية في العصور الأموية والعباسية، وهذا ما صرّح به أبو حمود، يعمل في مجال زخرفة الفخار منذ حوالي 42 سنة، حيث قال: “بعض الأواني سميت بحسب نوع النقش، فمنها معروفة باسم الأواني الرومانية، ومنها الأموية والعباسية”.

ومن استخدامات الفخار أيضاً، الجرار والأباريق والشربات الفخارية لوضع ماء الشرب، فقد كان قديماً من غير المعقول ألا توجد آنية فخارية واحدة على الأقل في كل بيت، ولكن انتشار استخدام الثلاجات الكهربائية، ووصول أنابيب المياه لكل بيت، قلل من الاعتماد على الأواني الفخارية بشكل كبير، ولأن الأواني الفخارية أصبحت من الفنون التراثية الشعبية، والتي تشد النفوس عبرها لماضٍ شرقي ملئ بالدفء والذكريات، فإن البعض مازال يأخذهم الحنين للأشكال الفخارية وشرائها، واقتناء بعض الأواني الفخارية بقصد الزينة أولاً.

وقد وجد أحمد نجيب، 36 عاماً، نازح ومقيم في أرمناز، بالأواني الفخارية معانٍ رائعة، ذكرته بالجرة الفخارية في بيت جده، والتي كانت تستعمل لحفظ الماء، فبدأ بزيارة محلات بيع الفخار، ويتحدث لموقع أنا إنسان: “وفي كل مرة أشتري آنية، وأعود بها إلى المنزل، أنا الآن لا أشرب سوى بجرة الماء الفخارية، أحس بعذوبة الماء بعد وضعه في الفخار، كما بدأت باقتناء التحف الفخارية الصغيرة، ووضعها كمناظر جميلة في زوايا منزلي”.

من جهتها أم يوسف 55 عاماً، تستخدم الأواني الفخارية لغرض الزينة، وتقول: “منذ أكثر من 20 عاماً، وأنا أقتني قوارير فخارية لزارعة الزهور ونباتات الزينة، وأضعها أمام مدخل المنزل وفي ساحته، وأيضاً أحب المزهريات الفخارية الملونة، لوضع الزهور الحية أو الصناعية بداخلها”.

وعلى عراقة وأصالة هذه الصناعة، إلا وأنها في الآونة الأخيرة قد مرت بظروف قاسية، أوشكت فيها على الانقراض، وذلك بفعل الحرب التي تشهدها البلاد، هذا ما أكده وائل الأسود وهو مدير أحد معامل صناعة الفخار، والعامل بهذه المهنة لأكثر من 25 عاماً، حيث أكد بأن حرفة صناعة الفخار تراجعت كثيراً، حتى خشي على ضياعها واندثارها، وذلك بفعل وضع الطرقات المغلقة، وصعوبة التصدير إلى المدن الرئيسية في سوريا، ناهيك عن التصدير خارج البلاد، إضافة إلى الغلاء الحاصل بأسعار المواد، وانخفاض سعر الأواني الفخارية بشكل كبير.

فقديماً كان سعر بعض الأواني500 ليرة سورية، أي ما كان يعادل تقريباً 10 دولار أمريكي، والآن نفس الآنية سعرها 2000 ليرة سورية، اي ما يعادل تقريباً 4 دولار أمريكي فقط، ويضيف الأسود عن أكثر ما هدد هذه الحرفة قائلاً: ” النقص الكبير بعدد العاملين بالمهنة، فمنهم من قتل بفعل الحرب، ومنهم من سافر خارج البلاد، ومنهم من ترك العمل بها بحثاً عن مصادر أخرى للرزق”.

ولكن ومع كل ذلك فقد أكد الأسود بأنه مازال هناك أناس يحنون إلى هذه المهنة وإلى عبقها، مشيراً أنه لم يترك المهنة أبداً في يوم من الأيام، ولا يفكر بالتخلي عنها مهما اشتدت به الظروف، فهذه المهنة بالنسبة له ليست فقط مصدر رزق، بل هي تراث أجداد، وإحياء تاريخ، ولن يترك العمل بها، حسب وصفه، لافتاً أنه يحاول توريثها لأطفال مدينته أرمناز.

وأخيراً فإنه “لا عودة لمهنة صناعة الفخار إلى ما كانت عليه وإلى استقرارها، إلا بعودة الهدوء إلى البلاد، وستبقى الضائقة تحاصر صناعة الفخار، حتى عودة الاستقرار إلى البلاد، وفتح الطرقات أمام تصدير المنتجات الفخارية إلى المعارض المختلفة، سواء داخل سوريا أو خارجها”، على حد وصف الأسود.

عبيدة طراف

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع