fbpx
أخبار

طوابير القهر والفقر … في شوارع دمشق

لا يمكن أن تمر بمنطقة في دمشق وضواحيها إلا ويلفت انتباهك كثرة الطوابير لتأمين الحاجيات الأساسية مستذكرين طوابير المؤسسات العامة في الثمانينيات إبان الحصار الاقتصادي على سورية.

وفي ظل الحرب والحصار الاقتصادي الجديد وندرة المواد المستوردة وارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية عادت الطوابير لتكشف الوجه الأسود للحرب. طوابير على المؤسسات لتأمين السكر والرز والزيوت وطوابير لتأمين اسطوانات الغاز المنزلي، وطوابير لتأمين مادة المازوت للتدفئة.

صورة لاحد طوابير الغاز في مدينة حلب، حيث يبدأ إنتظار دور الغاز من ساعات متأخرة من الليل وحتى الصباح للحصول على جرة غاز
صورة لاحد طوابير الغاز في مدينة حلب، حيث يبدأ إنتظار دور الغاز من ساعات متأخرة من الليل وحتى الصباح للحصول على جرة غاز

مراسل  “أنا إنسان” جال على بعض التجمعات السكنية لينقل وجع السوريين ويكشف عن الأسباب الحقيقية لعودة الطوابير إلى حياة السوريين، ومعاناة الناس في تأمين حاجاتهم الأساسية!!!.

أم مؤيد المصري سيدة في العقد الخامس من عمرها يبدو عليها الإرهاق والتعب، تحمل جرة الغاز على كتفها وتسير مسرعة إلى عند المختار والبلدية تقول: “لم تنته معاناتنا باستخراج البطاقة الذكية لتأمين المحروقات من (غاز ومازوت) حتى بدأ الشتاء وبدأت معه الحاجة لمادة الغاز أكثر ومع زيادة الطلب لم يعد من الممكن تأمين حتى مخصصاتنا التي رضينا بها مجبرين كل (23) يوماً خمسة أيام وأنا آتي منذ الفجر لأقف في طابور الانتظار وعندما تأتي سيارة الغاز يبدأ توزيعها لمن له معرفة بالمختار أو اللجان أو جماعة الحزب، ومن شدة الحاجة عند الناس تبدأ المشاجرات وغالباً تنتهي بوقوع خسائر بشرية.

( فيديو لقناة سورية يعرض مشاهد لطوابير الغاز بمدينة اللاذقية)

تتابع وقد هدها التعب: والله تعبنا… لم يعد من الممكن الاستمرار في هكذا حياة، نلاقيها من الغلاء ولا من الغاز ولا من الكهرباء… الموت صار أرحم وأقرب إلينا.

أمام إحدى المؤسسات العسكرية تجمع آخر وطابور لشراء مادة السكر التي ارتفع سعرها في المحلات التجارية مقدار الضعف ولكنها في المؤسسة العسكرية تباع بـ (250)ل.س…

نجاح العبد الله سيدة ثلاثينية تقول: أعمل بالقرب من المؤسسة العسكرية، ولدينا أصدقاء فيها يخبروننا عن توفر السكر فآتي أنا وصديقاتي لشراء (5) كيلو سكر فقط لكل مواطن هذه الكمية أوفر بها بعض الشيء، على الرغم من أن السكر ليس نقياً ولكن الأولاد عندي يحبون الحلويات وأنا أستخدمه بكثرة… هناك تدافع من بعض الناس يحصل ومشادات … هذا الغلاء جعل الناس تركض وتزدحم لتأمين وتوفير الأرخص لأبنائها. الشريحة الأكبر في البلد هي المتضررة من لا معيل له ولا سند وليس عنده مصدر رزق… التجار والمسؤولون لا يستخدمون هذا السكر ولا يهمهم إذ ارتفع سعره… نحن فقط من يحسبها بالقرش لضيق ذات اليد، أنا وغيري من الموظفين لم يعد الراتب الشهري يكفي لإعالة عائلاتنا لخمسة أيام كحد أقصى.

 

تضيف السيدة نجاح بخجل: لم تهدر كراماتنا مثلما تهدر اليوم ونحن نقف مصطفين لتوفير (100)ل.س أو مئتين ثم تذرف الدموع وتقول: حسبي الله بمن فعل بنا هذا.

أبو جورج موزع غاز في الريف الغربي من دمشق يقول: أبيت في مصنع الغاز لخمس ليالٍ حتى يأتي دوري وأعبئ حوالي 100 جرة غاز فتأخذ منها الحواجز حوالي 25 جرة كأتاوة وأصل بـ 75 جرة إلى منطقتي… هذه الكمية لا تكفي 10 بنايات فكيف بتجمع سكاني كبير مثل بلدتنا تزايد عدد سكانها عشرة أضعاف بسبب النزوح إليها، ماذا أفعل كل يوم مشادات وشجارات مع الأهالي، وهنا في البلدة يتدخل بك العسكري ومسؤول الحزب والبلدية والمختار، الجميع يأخذ من هذه الجرار والناس تتهمني بالسرقة من الجرة؛ أنا لا أسرق أبداً، المعمل لا يعبأها كما في السابق 15 كيلو… اختصروها إلى 12 كيلو فقط… لا أحد يحاسبهم فقط يتقاوون عليّ مع أني أبيع بالسعر الرسمي، ولا أخالف، انظري إلى غيري يبيع جرة الغاز بـ عشرة آلاف… أنا أساعد الناس وأبيعها بـ ثلاثة آلاف ليرة.

( تقرير لتلفزيون Orient يروي قصة وفاة أحد المواطنين خلال إنتظار دوره للحصول على جرة غاز)

يعلق أحد المواطنين الحاضرين ويرد عليه ويقول: أنت حرامي وتعبئ من الجرة ما مقداره النصف… خاف الله وراعي الناس التعبانة… ما تقدر إلا عالفقير.

على صهاريج المازوت طابور ثالث في ظل موجة البرد والانقطاع الدائم للتيار الكهربائي:

سجلنا على مخصصاتنا من المازوت على البطاقة الذكية يقول أبو أحمد الخضري وطلب منا صاحب الصهريج تجهيز (البيدونات) يعبئون لنا من الـ 100 ليتر ما يقرب الثمانين ليتراً، يسرقوننا أمام أعيننا، ولا نستطيع الكلام… لا أريد المشاجرة مع أحد خوفاً من جلب الأمن، ولكنهم والله يسرقون ويسرقون والبرد لا يعرف أحداً، أريد بعض الدفء لأولادي فبيتي المستأجر قبو لا يرى النور وأولادي مرضوا من شدة الرطوبة… لذلك أقف وأنتظر ويسرقونني ولا أتكلم… الله عالظالم يختم كلامه.

تحولت الحياة في دمشق وضواحيها إلى طوابير للوجع والألم والحرقة والخيبة، وتجار الأزمة يتبارون في ذلِّ المواطن المسحوق ويتنقلون من أزمة إلى أزمة لخلق فرصة للربح أكبر من عرق وجهد وأحلام الفقراء.

الدولة تخلت عن مسؤولياتها أو تكاد أن تتخلى، ووجع الناس بات يصدر أنيناً، وينذر بكوارث أعمق وخلق جوّ للنصب والاحتيال والمتاجرة، والاحتكار التي يدفع أثمانها شعب صبر كثيراً ولكنه الآن تعب!!!

تحقيق شهد الصالحاني – دمشق

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع