fbpx
أخبار

عمالة الأطفال في زمن الحرب السورية.. حرمان من التعليم والاستقرار النفسي

يمر علاء بجانب المدرسة في مدينة قاح جارا أمامه عربته الصغيرة المملوءة بقطع الحلوى، فيتذكر كيف كان قبل قرار إغلاق المدارس يراقب الطلاب متحسرا على نفسه، لأنه ليس معهم. بعد أن سلب منه النزوح والفقر الحقيبة والكتب المدرسية، وعوضوه بتلك العربة، ليتحول من طالب إلى بائع متجول في الشوارع والحارات ترافقه في جولته ذكريات العام الدراسي الماضي قبل أن ينزح من مدايا .. قريته في ريف إدلب الجنوبي.

 

يروي “علاء” بشكل مختصر لموقع (أنا إنسان) وهو يلبي طلبات زبائنه الصغار: “كنت “مجتهدا في دراستي، هكذا كان يصفونني المعلمون، لكننا الآن نازحين وأبي بحاجة لمن يساعده في مصروف العائلة”.

“علاء” واحد من عشرات الأطفال الذين تركوا دراستهم على إثر موجة النزوح الأخيرة التي بدأت في أواخر نيسان العام الفائت واستمرت إلى الآن، لتغدو مهمتهم من طالب مدرسة إلى معيل العائلة.

 

فالناس تعيش في ظروف صعبة بعد تركت بعد أن تركت منازلها  وبعضهم خسر أراضيه ومواسمها الزراعية التي كانت مصدر رزقهم، وغيرهم لم يجد عملا أو كان عمله غير كافي، ناهيك عن غلاء الأسعار الذي شهده الشمال السوري بالفترة الأخيرة وغيرها من المشاكل التي سببها النزوح والحرب.

 

(أنا إنسان) التقت بأطفال عاملين الذين تراوحت أعمارهم ما بين ال12 إلى 16 سنة. وبحسب الأطفال فالاستغلال تنوعت أنواعه بحسب نوع العمل الذي عملوا به، فبحسب أولئك الأطفال، هناك أعمال كانت مستقلة أي لا يوجد من يشرف عليهم ويتحكم بهم، مثل أن يعمل الطفل كبائع متجول يعرض على الناس بضائع مختلفة، كالحلوى والإكسسوارات وغيرها، أو يجمع من الشوارع ومن أمام المحلات كذلك من النفايات  قطع الحديد والنايلون وغيرها من القطع التي من الممكن الإستفادة منها، ثم يبيعها، بالإضافة للذهاب لأراضي الزيتون المقطوفة سابقا كي يلتقط ما تبقى خلفهم من حبوب أو يفعل نفس الشيء في أراضي البطاطا.

 

وفي هذه الحالات يكون الاستغلال إما من الزبائن المشترين أنفسهم، أو من المارة الذين يلتقون بهم الأطفال أثناء العمل. يروي محمد العادل (14) عاما نازح في مدينة أطمة:”عندما كنت أقف بالقرب من بعض المدارس يخرج المستخدم ويطردني منها، وأحيانا يلحقوني صبية ويرجمونني بالحجارة، فأضطر لأن أغير مكاني، حتى أصحاب المحلات لم أكن أنجو من شتائمهم، إذ يعتبرونني لصا يسرق زبائنهم، علما أن البضاعة التي معي غير البضاعة التي يبيعونها”.

 

وتحكي سلوى (12) عاما نازحة في مخيمات قاح:”عندما كنت أذهب أنا وبعض الفتيات إلى أراضي الزيتون بعد قطافه، أو أراضي البطاطا بعد فلاحتها وجمع ثمارها، كنا نجمع قسم جيد ونربح مبلغ مالي لا بأس فيه، لكن بعض أصحاب الأراضي كانوا يرفضون تماما أن نقترب من أراضيهم خوفا من أن نكسر الأغصان، لذلك كانوا يطردوننا وبعضهم كان يضربنا، كي لا نجرؤ على العودة مرة أخرى”.

 

كما يسرد علي (15) عاما (نازح في مدينة سرمدا):”لا يمكن تحمل نظرات القرف والازدراء التي ينظرونها الناس إلينا ونحن نجمع قطع الحديد، أشعر بالخجل من عملي لذلك صرت أضع لثاما على وجهي بحيث لا يعرفني أحد، والأصعب من ذلك أن المشتري الذي يأخذ القطع مني بعد جمعها يعطيني إياها بأقل من سعرها وإن اعترضت يقول لي:”إذ لم يعجبك خذهم وارحل”.

بالمقابل هناك أطفال يمتهنون أعمال لصالح أشخاص آخرين، مثل الحدادة والنجارة وفي محلات البضائع والمعامل، وفي هذه الحالة يكون الاستغلال صادر من رب العمل نفسه، وذلك عن طريق زيادة ساعات العمل على العامل دون زيادة الأجرة، وتحميله فوق طاقته، بجانب مطالبته بواجبات خارج نطاق العمل، وأحيانا سلب أجرته مع تعنيفه لفظيا و جسديا.

 

تروي نوران (12) عاما نازحة في مخيمات دير حسان:”أنا عملت في معمل مخلل خلال فصل الشتاء، كنت أبدأ من الصباح الباكر ولا أعود حتى المغرب، وبأجرة 1200 ليرة سوري، كنت أذهب مع ثلاثة من أخوتي وعندما يعطوننا أجرتنا نعطيها لأمي وهي تشتري حاجات البيت، ثم عملت مع ورشة زراعية بنفس عدد الساعات والمقابل المادي”.

 

يضيف أحمد (16) عاما نازح في مدينة دير حسان:”أنا عملت في محل تصريف دولار، يوميتي كانت 2000 ل.س، لكن أحيانا كان لا يعطيني عندما يخسر بالتصريف من الدولار إلى الليرة أو العكس، حتى أنه كان لا يقدم لي وجبة غذاء، تخطت الأمور الحد المحتمل وصار يطلب مني غسل دراجته النارية وشراء حاجات لمنزله ماعدا المعاملة السيئة مما دفعني لأن أغادر”.

 

في حين ترى حلا المصطفى أن سبب ذلك النوع من الاستغلال هو جهل الطفل لحقوقه وعدم وجود قانون يحمي حقوق الطفل أثناء العمل سواء بإعطائه مستحقاته المالية أو حمايته من التعنيف بشتى أنواعه”.

بالنسبة لوجهات النظر حول عمل الأطفال في منطقة إدلب وريفها فهي متفاوتة ما بين مؤيد لها ومعارض، كذلك هناك من برر للأهالي السماح لأولادهم بدخول سوق العمل بسن مبكرة بسبب الظروف المعيشية، وغيرهم رفض ذلك مطلقا لما في الأمر من آثار سلبية نفسية وجسدية.

 

تحمل حلا (30 عاما عاملة مع المنظمات الإنسانية) من باب الهوى مسؤولية ذلك الأمر للمنظمات المحلية والدولية التي لديها مشاريع في المنطقة وتقول:”لا يمكننا منع الأهالي من السماح لأولادهم بالعمل لأن الظروف الحالية التي يعيشها الناس صعبة جدا، ولو منعناهم علينا أن نضع لهم البديل”.

 

يحكي علي النونة (50) عاما (سمان نازح في مدينة دركوش:”العمل للطفل في سن مبكرة أمر جيد، بشرط ألا يكون على حساب دراسته وفوق جهده، ذلك ينمي له شخصيته ويجعله من شخصا قويا وواعيا يقدر قيمة المال، ويعلم أن الحصول عليه ليس بالأمر السهل، لو رجعنا للتاريخ لوجد أن كل الشخصيات العظيمة والتي تركت آثر بقي إلى الآن مرت بصعوبات في سن مبكرة وتعبت حتى وصلت للهدف المنشود”.

 

وتؤكد المرشدة النفسية نسمة العبد أن عمل الأطفال في هذه الظروف سيسبب مشاكل نفسية وجسدية للأطفال، بالأخص أن البيئة المحيطة غير آمنة، وتقول:”عندما يمر الطفل بمثل تلك الصعوبات التي تواجه الأطفال في ساحة العمل، ذلك من الممكن أن يكسبه السلوك العدواني في تعامله مع الآخرين، ناهيك عن التعب النفسي والقلق والاكتئاب نتيجة تعنيف أصحاب العمل أو الناس المحيطين خلاله، بجانب التأخر عن المدرسة والانقطاع عن التعليم”.

 

سيرين المصطفى

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع