fbpx
جانب من الورشات التي نظمها فنانون شباب لتقديم فن يحاكي خيال الشباب (خاص أنا إنسان).

في السويداء ورشات فنية تكسر الجمود الأكاديمي

كسر فنانون شباب من السويداء جمود الفن الأكاديمي، ونظموا دورات لصنع فن لا تحدّه قيود. في رحلتهم نحو الحل و التفوا على قوانين الطبيعة السورية المعقدة، والحرب التي لا تنتهي عسكرياً وإنسانياً، فبدأوا من مرحلة “الخلق الأولى”، وبشكل متصاعد، معتمدين على أدوات بسيطة للانطلاق.

تقول إحدى الفنانات الشابات: «تم تصنيع أول استديو مصغر في سنة 2015 بهدف بناء لوحة جديدة، وتهديم القوانين السائدة التي لم يعد فيها أي نوع من الإبداع والابتكار، فكانت «مسار» الورشة الأولى التي بدأت من حالة الخلق الأولى من خلال ممثلة مسرح إيمائي تجلس في صندوق أسود معتم بانتظار الضوء».

الورشة التي أشرف عليها ونفذها الفنان فرزان شرف مع مجموعة لا تتجاوز الخمسة عشر فناناً وهاوياً في زمن صعب، ليبدأ معها الحلم ببناء لوحة مختلفة، وقابلة للحياة، حيث طلب من المشاركين صناعة أدواتهم (الريشة، القلم، اللون، السطح المنفذ عليه العمل الفني) من الطبيعة المحيطة، لفصلهم عن الواقع الحالي، والعودة بهم إلى رحلة الفن قبل آلاف السنين، فكان اللون من الفحم المحترق وأوراق الشجر، والثمار الناضجة، والريشة كانت عبارة عن أصابع الفنانين أنفسهم، وريش الطيور، وشعر المشاركات، أما سطح اللوحة فاستخدمت فيها الأقمشة التالفة والكرتون المخصص للمعونات التي جاءت إلى النازحين في المحافظة.

بعد عمل مضني لمدة 12ساعة في اليوم، كانت “مسار” تخرج بمشروع (اسكتش) قابل للحياة، ويؤسس لفنان يرسم ما يفكر به وليس ما يراه، وهو ما كان يرمي إليه ويريده القائمون على مسار، وهي الإسفين الأول في وجه الرجعية الفنية.

وفي ظل الخطوة الثانية التي تجعل الفنان العائد تواً من رحلته الفطرية الأولى، كانت ورشة «circle» أو الدائرة التي تضع الفنان في مرحلة بناء الشخصية الفنية البعيدة عن التعليب والنمطية المعتادة، فجاءت هذه الورشة لتعيد التذكير بأقدم مهنة فنية في التاريخ، وهي “wod kat” أو الطباعة الخشبية، شارك بها عدد كبير من طلاب كلية الفنون الثانية الذين عانوا زمناً طويلاً من الملل والعطالة، ومن أجل نبش الحالة الخلاقة، وإنشاء علاقة بين الفنان والمتلقي بشكل مباشر.

وفي ظل الأربعاء الأسود 25 تموز 2018 الذي هاجمت به داعش الآمنين في القرى الشرقية لمحافظة السويداء، وخطفت عدداً من النساء والأطفال، كان على الفنانين أن يقولوا كلمتهم ضد كل أشكال الخطف والقتل في العالم، فكانت ورشة حتى يعود اللون، التي انطلقت من رحم المأساة، ويقول الشاب مهدي العبد الله المشارك في الورشة: «ابتكر الفنان فرزان شرف والقائمين على الورشة سينوغرافيا سوداء في صالة فنية تشكل سجناً واسعاً للمخطوفين، بأدواتهم المهترئة، وأطفالهم المسكونين بالخوف، والسواد الذي يلف المكان، والزمان معاً، فكانت أقدام الخاطفين واضحة في المكان، والكتب المرمية جانباً، والمدرسة الخالية من الروح، وسط موسيقا لا يشعر معها الفنان إلا بالألم والدموع».

وفي مقابلة مع الفنان شرف لإحدى الوسائل الإعلامية المحلية، قال عن هذه الورشة: «حتى يعود اللون، أسست لتلك المشاعر الفياضة عن جريمة الخطف في هذه الكرة التي تحولت إلى سجن موحش لا يلفه إلا السواد، حيث أجبر المتلقين على التعايش معها لمدة بسيطة حتى يشعرون للحظات قليلة بما يشعر به المخطوفين لأشهر طويلة، فكانت النتائج ملهمة لمعرض أخذ صداه في عقول الفنانين وأعماقهم، وأسس لفكر فني جديد، يبوح بما يجري في هذا الوطن الجريح».

ولأن الحياة لا تزهر إلا مع الطفولة، فقد كانت الورشة التالية عنهم، وحملت اسم «على رصيف الدمى»، اشترك بها فنانون محترفون، وعدد من خريجي كلية الفنون، وهواة، وأنتجت أكثر من 600 دمية مختلفة الأدوات والأشكال، ومعرض كانت اللوحات به مركبة تحت سقف الصالة، فالنظر إليها يحتاج إلى قيام المتلقي أن يرنو عالياً وسط إضاءة مختلفة على الفاصل الجداري لا على اللوحات نفسها، كناية عن إهمال حقيقي من قبل الإعلام للطفولة بكل مسمياتها، وعدم الفهم المتعمد لمشكلة هؤلاء الذين يكبرون مع مشكلاتهم.

أحد الفنانين المحترفين الذي زار الورشة، وطلب عدم ذكر اسمه، قال: «كانت الورشة بمنتهى القسوة، ولكنها بنت مدماكاً لا يمكن تهديمه نحو بناء فنان قادر على ملامسة الوجع البشري بصورة حية لا توفره المناهج الجامعية، ولا تقرأه الكتب بصورة مباشرة، وهي الرسالة الوحيدة التي فهمتها جهات عدة لا تريد لهذا المستوى من التفكير أن ينضج، ولا لأولئك الحمقى من الفنانين أن يزهروا يوماً».

وتتالت الورشات الفنية مثل (ومضة حية، ولفظة صورة)، وما زال الطريق طويلاً لكي يختتم هؤلاء الباحثين عن الفكر والصورة طريقهم.

يقول القائمون على هذا العمل عن المصاعب التي تعرضوا لها: «النزيف البشري الذي شهدته سوريا، والهروب القسري جعلت الفريق يتغير تلقائياً، وهو ما جعل مهمة الخلق الأولى تتعثر، إضافة إلى الحالة العدائية التي ينظر إليها الفنانين الأكاديميين، والمدرسين في الجامعات والمعاهد، ويبثون صوراً مغايرة للواقع، ويحاولون تعطيل الحلم، ورغم هذا فنحن مستمرون، فالورشات أمّنت جواً من الحرية لم يعهده أحد من قبل، وأسست لما حاولت الجامعات الحكومية طمسه كالموديل، ورؤية صور الرجل والأنثى عراة، ومنع الصداقات والتكتلات، وكتابة التقارير بمن ينهج منهجاً مغايراً للواقع».

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع