fbpx

كيف بات واقع حلب الشرقية بعد عامين ونصف من «النظام»؟

المشاهدات: 1682

هاني العبد الله

 

تعيش أحياء حلب الشرقية واقعاً مزرياً بعد مرور عامين ونصف على عودة “النظام”، ويبدو واضحاً تعمّد إهمالها وعدم تقديم الخدمات لأهلها، رغم عودة عدد من المهجّرين والنازحين إليها، ورغم إعلان النظام على لسان نائب محافظ حلب حميد كينو مطلع آب 2018، عن برنامج حكومي لإعادة إعمار مناطق حلب الشرقية، زاعماً أن إعادة التأهيل تتضمن ثلاث مراحل: أولها إعداد البنية التحتية، إذ لا يمكن للناس العيش من دون مياه وكهرباء. والثانية تقديم المساعدة اللازمة وتحديد احتياجات كل أسرة. والثالثة إعادة السكان إلى منازلهم، إلا أن الأهالي ما زالوا يشتكون من غياب أي عمليات إعمار وإعادة للخدمات.

 

الهدم بدل الإعمار

تعرضت أحياء حلب الشرقية لقصفٍ عنيفٍ من النظام، ما أدى الى دمار الكثير منها، في حين تعرضت أبنية أخرى لدمارٍ جزئي أو تصدّعات. وأجرت محافظة حلب التابعة للنظام تقييماً شمل 36 حياً من المدينة، وقد بلغ مجموع الأبنية المصابة بضررٍ معماريٍ خفيف نحو 10176 بناءً، أما الأبنية المتضررة ضررًا إنشائيًا خفيفًا فبلغ مجموعها 8031 بناءً طابقياً.

واتخذت المحافظة قراراً بإخلاء أكثر من أربعة آلاف عائلة تسكن في نحو عشرة آلاف بناء آيل للسقوط، ريثما يتم ترميم البناء أو هدمه وإعادة بنائه من جديد، على أن يتم تأمين سكن مؤقت لهم تشرف عليه المحافظة، إلا أن كثيراً من السكان اشتكوا من عدم تأمين أي سكن بديل بعد إخراجهم من بيوتهم.

وشهدت أحياء حلب الشرقية سقوط عدة أبنية نتيجة تصدّعها بفعل القصف الذي تعرضت له سابقاً من طيران النظام، وكان آخرها سقوط مبنى سكني في حي “صلاح الدين” مطلع شباط الماضي، ما أدى لوفاة 11 مدنياً، وسبق ذلك بشهر انهيار مبنى في حي “الصالحين”؛ أدى لوفاة 5 أشخاص تحت الأنقاض، وسط ترجيحات بتكرار حوادث انهيار المباني المتهالكة.

وقال أحد سكان حي “بستان القصر” فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: «إن حكومة الأسد قامت بتشكيل لجان تتولى مهمة تقييم وضع البيوت، حيث تقوم مجموعة من المهندسين ومساعديهم بزيارة كل بناء، والاطلاع على وضعه بشكل سريع وعشوائي، ثم يقرروا اذا كان البناء بحاجة لإخلاء سكانيه كي يتم هدمه، أو أنه بحاجة لترميم جزئي». مشيراً إلى أن كثير من العائلات التي تم إخراجها من بيوتها، وُضعت في مساكن عشوائية غير مخدّمة، بينما هناك عائلات أخرى كثيرة لم تحصل على سكن مؤقت، بحجة امتلاء كل المساكن البديلة.

وأضاف في حديثه لموقع أنا انسان: «إن الأهالي يشتكون من مزاجية اللجان، ففي بعض الأحيان تأتي لجنة تقرر عدم حاجة البناء إلى هدم، لتأتي بعد عدة أيام لجنة أخرى تؤكد أن البناء في خطر، وبحاجة لإخلاءٍ فوري، وهنا تدخل الواسطات والمحسوبيات، فبعض العائلات ضمن البناء الواحد يتفقون على جمع مبلغ من المال لإعطائه لأعضاء اللجنة كرشاوى كي تدوّن ضمن ملف التقييم أن البناء لا يحتاج إلى هدم، ويتطلب ترميماً بسيطاً، أما الأسر الفقيرة فيتم إعطاءها مهلة لدفع المبلغ للجنة، أو إخلاء المنزل».

ولم تقتصر معاناة السكان على هدم البيوت، أو سلب أموالهم من قبل اللجان التابعة للنظام، وإنما أعلن “مجلس مدينة حلب” عن إحداثه شركة “حلب القابضة” كي تدير أملاكه وتساهم بمشاريع “إعادة الإعمار”.

وقال المحامي “محمد الخطيب”: «النظام يسعى عبر القانون رقم 10 إلى سلب أملاك سكان حلب المهجّرين، لذلك سعى إلى إحداث شركة “حلب القابضة”، والتي تستغل غياب الأهالي، وعدم قدرتهم على القدوم لإثبات ملكيتهم للعقار، وهو وسيلة للتغيير الديمغرافي الذي يسعى له “الأسد” بتحريضٍ إيراني، كما تفعل شركة شام القابضة حالياً في أحياء القابون وجوبر شرق دمشق».

 

لماذا يُهمل النظام إعمار حلب؟

يرى الباحث الاقتصادي “يونس الكريم” أن: «سبب تأخر النظام في ملف إعادة الإعمار يعود إلى عدة أسباب، أهمها أن النظام لا يريد إعمار “حلب” قبل الانتهاء من إعمار “دمشق”، كونها مركز الثقل السياسي، ومن ثم يلتفت لـ”حلب”. كما أن النظام لا يمتلك أي مقدّرات مالية (النفط، الفوسفات، النسيج)، وبالتالي بدء إعادة إعمار “حلب” حالياً سيُظهر هشاشة وضعف “الأسد” اقتصادياً، لذلك يسعى لتدعيم “دمشق” عمرانياً واقتصادياً ليستطيع من خلالها الانطلاق لإعمار باقي المناطق».

وأضاف الكريم في حديثه لموقع أنا انسان: «إن الخزينة المالية في البنك المركزي شبه خاوية، وهذا يحول دون قدرة النظام على ضخ الأموال لدعم هذا الملف، إضافةً الى أن المستثمرين من الدول الأخرى متخوفون من المستقبل السياسي لـ”الأسد” في ظل العقوبات الأخيرة على إيران وسوريا، وبالتالي جميع الأطراف متردّدة في الدخول بإعادة الإعمار، وتنتظر حتى تتضح الرؤية أكثر بخصوص مستقبل سوريا».

وأكد “الكريم” أن من الأسباب المهمة لإهمال هذا الملف، هو أن مستقبل المدينة ما يزال غامضاً، وربما تسيطر عليها تركيا لاحقاً، إضافةً الى أن “الأسد” ينتظر السيطرة على الطريق الذي يربط بين حلب الشرقية ومناطق المعارضة في الريف الحلبي، بحيث تصبح آمنة، ويتلافى أي خروقات أمنية، الأمر الذي قد يُعكر صفو عملية إعادة الاعمار؟!.

وأوضح الكريم أنه لا توجد دراسات دقيقة حول إعادة إعمار “حلب”، بسبب عدم معرفة الجهة التي ستتولى ملف الإعمار فيها، (الشيشان، تركيا، روسيا، ايران، دول الخليج). مشيراً إلى أن هناك صراع على حلب، فتركيا تسعى للسيطرة عليها كونها قريبة من حدودها؛ وملاصقة للريف الحلبي الذي تسيطر عليه، والشركات الخليجية (الامارات- السعودية) تخطط أيضاً لإعادة إعمار حلب، لكن علاقاتها السيئة مع تركيا قد تعرقل دخولها في هذا الملف.  

 

خدمات غائبة

ورغم مرور عامين ونصف العام على سيطرة النظام على حلب الشرقية، إلا أن أحياءها ما تزال تعاني من سوء الواقع الخدمي، واشتكى عدد من الأهالي من عدم إنارة شوارع أحيائهم بنقاط ضوئية تعمل على الطاقة الشمسية أو حتى على الكهرباء العادية، إضافةً الى انتشار القوارض بشكل واسع، وخاصة في الأبنية المهجورة والمتضررة، حيث أصبحت تلك الأبنية مكباً للنفايات.

وقال الناشط الإعلامي “عمر عرب”: «إن الواقع الخدمي في مدينة “حلب” سيء جداً، فمنذ سيطرة “الأسد” على المدينة، لم يقم بأي أعمال تأهيل للبنية التحتية، وقام بتجاهلها، كما سرقت ميليشيات النظام الكابلات الضوئية التي لم تُسرق من قبل، فضلاً عن عدم وجود أي خطط أو فكرة لإعادة تأهيل محطات وشبكات الكهرباء، في ظل عدم وجود ميزانية لدعم مشروع الكهرباء، لذلك بات أهالي حلب يعمدون على الاشتراك بمولدات الأمبيرات».

وأضاف أن ميليشيات النظام تضيّق على أصحاب المولدات من ناحية التراخيص، وبات منح أي ترخيص مقتصراً في الغالب على بعض الشبيحة والمرتبطين بالنظام، والذين يتحكمون بساعات التشغيل، ويدفع الأهالي ١٢٠٠ ليرة عن كل أمبير، وفي بعض الأحيان يرفع أصحاب المولدات سعر الأمبير بحجة عدم توفر المازوت لتشغيلها.

وأشار “عرب” للتمييز في الخدمات بين الأحياء، «فالأهالي يعانون من انتشار الأنقاض والنفايات وانقطاع المياه، وسوء شبكات الصرف الصحي، وتركز عمل مجلس محافظة حلب على تأهيل الدوّارات، مثلما حدث عند دوار السكري ليقوموا بتصويره على أنه إنجاز، بينما يوجد على بعد ١٠٠ متر منذ ذلك الدوّار، مشفى “زرزور” الذي دمره النظام، ولم يقم بأي عملية لتأهيله، رغم حاجة السكان للخدمات الطبية. فالنظام يركّز على تقديم الخدمات للأحياء الغربية، بينما يُهمل تخديم الأحياء الشرقية كنوع من العقاب للأهالي الذين ثاروا ضده لسنوات».

بدوره قال يونس الكريم: «أن “الأسد” يتعمّد اهمال تقديم الخدمات لدفع الأهالي لمغادرة المدينة، لأن معظم المشاريع التي يطمح النظام لإطلاقها تقع في حلب الشرقية، لذا لابد من تهجير السكان مجدداً، بحيث تكون حلب الشرقية صفحة بيضاء خالية من الأهالي، وبذلك يُنفّذ الأسد تلك الاستثمارات دون تحمل عبء التمويل وتعويض السكان المقيمين بها عن الأضرار التي لحقت بمنازلهم».

 

 

تضييق وفلتان أمني

ويعاني سكان حلب من التضييق الأمني في ظل انتشار حواجز ميليشيات النظام وايران، والتي تنفّذ عمليات اعتقال وسلب لأملاك المدنيين، فضلاً عن فرض أتاوات باهظة على البضائع، بالتزامن مع انتشار الفلتان الأمني، حيث عُثر في التاسع العشرين من شهر  نيسان الماضي على عائلة مكونة من أربعة أشخاص مقتولين ذبحاً بالسكاكين داخل منزلهم في حي “الصاخور”.

وقال “أبو عبدو” من سكان حي “السكري”: «إن “ميليشيات” تابعة للنظام و”حزب الله” تفرض أتاوات على كل سيارة تحمل بضائع حسب نوع وكمية حمولتها، وتكون المبالغ المفروضة على السيارات المتجهة نحو مناطق الميليشيات كبلدتي نبل أو الزهراء منخفضة، ولا تتجاوز ألف ليرة سورية على كل حمولة، في حين تكون المبالغ المفروضة على السيارات التي تتجه نحو المناطق المحررة أو إلى المحافظات الأخرى مرتفعة، وتتراوح ما بين 5- 10 آلاف ليرة سورية».

 يذكر أن النظام السوري سيطر على كامل مدينة “حلب” في الحادي والعشرين من كانون الأول عام 2016، بعد حملةٍ عسكريةٍ شرسةٍ، أدت الى مقتل قرابة 21500 مدنياً، في حين تم تهجير سكان الأحياء الشرقية إلى أرياف حلب وإدلب.

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع