fbpx

مؤونة المكدوس قصة حقيقية من قلب يحترق

يحمل السوري إرثه إلى العالم أينما حلّ. أبرز الموروثات برأيي هي أنماط الطعام المحلية ولو أردت التخصيص، فأكاد أجزم أن أبرز الأطعمة الموروثة التي يجب على السوريين أن يحملوها معهم في غربتهم هي المكدوس.

ربّما يختلف معي البعض بحجم المؤونة الكبير التي اعتاد السوريون تحضيرها لفصول الخريف والشتاء حتى عودة المواسم الزراعية في الصيف القادم، لكن للمكدوس خصوصيته لدى الجميع، أو هكذا كنت أظن حتى تحدثت مع أحد الزملاء الذي باغتني أنه لم يتذوقه في حياته.

الحديث بدأ من انشغالي بمؤونة المكدوس، وبين الضحك والحوار الجديّ، باغتني بطلب مقال عن الموضوع.

بالتأكيد من لم يذق المكدوس فاته الكثير من ملذات العمر.

وإن أراد أحد اقتراحاً للتذوق، فأنا أقترح “المجدرة” (تتكون من البرغل والعدس ويقلى البصل بزيت الزيتون ويتم وضعها ساخنة على خليط البرغل والعدس) مع قطعة صغيرة من الخبر تحتضن بداخلها ورقتان من البقدونس مع البصل الأخضر ومكدوسة.

لا أتذكر تماماً كيف أصبحت علاقتي متينة جداً مع المكدوس.

كلّ ما أتذكره، أنّني أعشق أكله والتعب في تحضيره كما أعشق أيامه، التي تبدأ ـمع بداية الخريف أو كما يتم تداولها محلياً أيام الصليب (الأيام التي تلي عيد الصليب في 14 أيلول/سبتمبر من كل عام) والمتعارف عليها كموسم للمؤونة في سورية، إذ نرى معظم الأسطح حمراء مع انتشار الفليفلة الحمراء التي يتم تجفيفها خصيصاً لمؤونة المكدوس، إلى جانب صواني البندورة المغليّة لحفظها واستخدامها طازجة للطبخ في الشتاء، وذلك بعد الانتهاء من مؤونة الحنطة، والكشك، والمربيات التي يتزعمها المشمش.

سطح بيتنا في القصير، كان كذلك.

-رغم أني لا أعلم إن كان لا يزال موجوداً أو لا-

لبيت الذي تعادل مساحته تقريباً نصف دونم من الأرض يقع وسط المدينة، محسوباً على الحارة الغربية، يتمتع بحديقة واسعة، فيها عريشة عنب على طول الدار، على أطرافها (داير مدارها) الزيتون والرمان والتين والليمون، إضافة لأحواض الورد المختلفة، الياسمينة البلدية وعطر الليل، تتنافسان بالرائحة، جمال الزهر وطول الأغصان ويعانقان العريشة.

أفراد عائلتي كلّها تتشارك في طقوس هذا الموسم على التساوي، أبي وأمي وإخوتي الثلاثة، وبما أنّني الابنة الكبرى فيتملكني الحسّ اللاشعوري بالمسؤولية.

تلك الطقوس تحدث في آخر أرض ديارنا، في المساحة بين ظليّ التينة “شجرة التين” والليمونة.

أمي منذ الصباح الباكر تحضر للعرس السنوي، وتقوم بتجهيز طنجرة المحاشي بأنواعه باذنجان بلدي وأسود، ويقطين وكوسا. تحضّر المزيج الفريد من نوعه، وتطبخها على موقدة الحطب.

يأتي والدي من عمله، تجتمع العائلة عند العصر، نتناول الغداء بينما تنضج طنجرة باذنجان المكدوس.

أحاول لملمة المصطلحات الخاصة بهذا الطقس، وأضحك لألتقي بالمرادفات في اللغة الفصحى.

تمرّ التحضيرات بالتبريد بعد عملية الغلي والإستواء، وتسبقها تنظيفه من القشور، ولكن على وجه الطنجرة،  حيث تضع والدتي كمية قليلة منه، ليحافظ الباذنجان على “شقاره”.

التمليح والرصف، ثمّ كبسه ببضع حجرات ثقيلة حتى يتخلص نهائياً من مياهه، ليومين أو ثلاثة. هذه الطقوس، ربّما تختلف من سيدة لغيرها، وبين البلدات السورية أيضاً، كلٌّ على ذوقه يفضّل نوعاً من الباذنجان، ونسبة الحرّ فيه، ونوع المكسرات التي سيحشونها به، ولكنّنا بشكل خاص نحبّ الجوز، ولم ننقطع عنه حتى في موسم الحصار والقصف المتواصل الذي عشناه.

في 2012 بعد استشهاد والدي بأشهر، كانت والدتي لاتزال في فترة العدّة التي أصرت على الالتزام بها، كفرض ديني، رغم الحرب والظروف القاسية التي عشناها والتي تعفيها من ذلك.

إلا أنها لم تتنازل عن طقس المكدوس لكن كان استخدام موقدة الحطب فرضاً لا رفاهية.

أتذكر ذلك اليوم التشرينيّ بتفاصيله الدموية والجثث التي اعتدتُ وداعها على باب دارنا.

 وقتها كنتُ وأمي، نسلق الباذنجان في فسحة الدار. أغارت علينا الطائرة الحربية، عدّة غارات، تزلزلت الأرض من تحتنا، النيران والرماد والدخان، غطى المكان. الشظايا هطلت من الجو لتتغلغل بين الفليفلة والجوز المنشور تحت الشمس، لكن اختناقنا بالغازات وسمّ البارود، لم يكن ليكبّل أيدينا.

تلك اللحظات جعلتني مؤمنة تماماً، أنّ الموت والحياة، قدرُنا. سنعيش حتى آخر لحظة، وإن متنا سيكون حتماً علينا، ولكنّ المهم أنّنا سنكمل مهمتنا في تجهيز مؤونتي التي أعشق، وبذات تفاصيلها العتيقة في زوايا الدار، مهما كان الظرف.

رغم أنّ براد الشهداء بجانب بيتنا امتلأ بالذين قضوا مباشرة في تلك الغارات، ولكن طبيعة الموت ومشهده الآني تطلب كسرنا له بإرادة الحياة وعيش تفاصيلها.

كان الموسم الأخير لمكدوس دارنا هناك.

في العام التالي صرتُ لاجئة في لبنان إلى الآن، سبع سنوات قضت نحبها، ولم أغيّر تشبثي بتلك الطقوس والطعمة.

أعيشها في كل المخيمات التي أزورها، وأستمتع بين كل عائلة أتناول معها هذه الوجبة الوحيدة المتعددة، وأمضغ بذلك قصصهم لأرشفتها في ذاكرتي.

منذ ثلاثة أسابيع، قضيتُ صباحي مقابل موقدة الجدة أم ناصر. أشرفت الجدة على إتمام عقدها السادس، وهي تربي أحفادها اليتامى. فطرت مكدوساً عند خالتي في الخيمة المجاورة وأنا استطعم مذاق الحطب من الدخان الذي لم يكن حطباً؛ بل بقايا الكرتون والورق والقشّ، الذي جمعته الجدة مع صغارها من أطراف المخيم.

تمشيت إليها ودردشنا سويةً عن القرارات التي أصدرها صاحب الأرض بضرورة إخلاء المخيم، ورغم ذلك تقول لي الجدة “بدنا نعمل مكدوس. هي مونة السنة.”

بإشارةٍ منها إلى أنّ هذا الفعل هو مصدراً للأمان والبحث عن الاستقرار بمجرد تأمينه وتخزينه، ليكون عوناً لهم أينما رحلوا.

 أُحادثها، وأنا أفكر ضمنياً بمكدوساتي، أخطط في سريّ كيف ومتى وأين، ومَن سيساعدني ووالدتي مريضة لا قدرة لها، وهي تفكر بي، وتريد أن تصنعه لأجلي!

ليس بعيداً عن هذا المخيم، في بيت الخالة آمنة، أيضاً هي أرملة كادحة تعمل لتأمين العيش الكريم لأطفالها. في مطبخها بعد عودتها من الدوام. مررت بها لأجدها غارقة بين الفليفلة والباذنجان.

المشهد الذي أغراني لأغرق معها، بعد يومٍ كامل قضيته في إنجاز عملي على اللابتوب، من السادسة حتى السادسة حيث أعمل عن بعد.

قررتُ آنذاك الذهاب بضع خطواتٍ خارج البيت، لأستمد الشعور بالحياة الطبيعية في السوق الشعبي “سوق التنين”، الذي يرتاده جميع اللاجئين في البقاع.

تجولت بين باعة الخضار، وسؤالي يتكرر عليهم عن أسعار عشقي، إلى أن قررت الإتصال بالخالة آمنة، لأطلب منها ألاّ توقف عمل ماكينة فرم الفليفلة، إذا كان باستطاعتها. ليكون الردّ، نعم وبشدّة، ترحيبها كان كلّ شيء لي.

عدتُ بالعشق وأنا أحمله مواداً حقيقية. بعد أن شعرت أنّني للمرّة الأولى أتقمّص شخصية والديّ، استنتجتُ أنّني أحفظهما جيداً بكل تفاصيلها.

ساعدتُ الخالة وبناتها، وساعدنني في مؤونتي.

أخبرت أمي بالمشهد الذي غرقت فيه.

وأصرّت على اللحاق بي، لتغيثنا في المطبخ. لكنّني فعلتُها على أكمل وجه، فعلتُ ما أحبّ. ليلةٌ من العمر، من المغرب حتى الفجر. ساعاتٌ من الجمال والسحر والذهول، لَعبَتْ الذكريات لعبتها معي، ومع ذلك أسعفتني أمي بإكمال الطقوس، حشي المكدوس، وحفر الباذنجان ليكون “يبيساً”  تطهوه لي “محاشي” الشتاء.

قطرميزاتي الآن مليئة، تشتهي إخوتي معي بشفّة شاي ولقمة مكدوس، كلّ منهما في بلد بعيد.

تحضر معي روح أبي في كلّ لقمة أبتلعها أم أغصّ بها لا أدري، ابتسامته وكلّ ملامحه تنقذني دائماً.

الآن أمي سعيدة لأجلي. أمّنت عليّ بالوصول لمبتغاي، بما أريد وأهوى.

أمّا أنا فأمضي يومياتي بمحاولة الحفاظ على روتيني القديم، بتفاحة الصباح، وتفاحة أصحبها مع سندويشة الزعتر إلى الجامعة، كما طفلة هناك لم تغير أبداً عادتها، لتعود وتتغدى مكدوساً جديداً دون ملل.

تلازمني شهوة العشق للطنجرة السوداء “المشحورة”، التي أصطحبُ حنينها المعتّقٌ معي أينما حللت.  كنت أعذّب أمي كثيراً حتى تسمح لي بجليها، باللعب واللهو في تنظيفها ببقايا الرماد وسائل الجلي، وخرطوم الماء، حتى تعود بيضاء لامعة.

لعبتي هذه كانت تحلّ لي كلّ معادلات الإرهاق والتعب والتفكير، ولازالت بمجرد الغوص في طين تلك الدار وذكرياتها. هذا ما أعتبره فنّاً جلبته معي، يداويني وأخشى عليه من الضياع.!

مزنة الزهوري

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع