fbpx

من اللاذقية إلى بيروت … قصة هوى بحري لا تنتهي

بينما تستعد شوارع بيروت للخلود الى النوم، ما يزال الكورنيش البحري لمنطقة عين المريسة يعجّ بزوّاره، من العائلات والشباب وهواة صيد السمك بالسنّارة، على الرغم من دخول الانتفاضة الشعبية التي عمّت مناطق عدّة في البلاد شهرها الثاني.

الساعة الآن الثانية عشرة منتصف الليل. يتأكد أبو العبد من لفّ الطعم بشكل جيد حول خطّاف سنارته ثم يقذف به من حافة الكورنيش الى أبعد نقطة ممكنة في البحر، برمية معلم لا تُخفي خبرة تمتد لأكثر من 40 عامًا قضاها في ممارسة هواية صيد السمك.

تتجمع مجموعات من الصيادين كل ليلة على طول الكورنيش، حتى يصير أشبه بمهرجان صيد مسائي يمتد حتى بعد منتصف الليل، أو حتى الصباح في ليالي العطل. هو مكان مناسب لا سيما لشريحة واسعة من السوريين الذين يرغبون بقضاء وقتٍ ممتع برفقة الأصحاب، دون أن يضطروا الى تحمل تكاليف السهر في مطعم أو مقهى أو ما شابه. ففي مجموعة أبو العبد يلتقي كثير من السوريين القادمين من محافظات عدة، وربما من خلفيات وثقافات متنوعة، ليس أمرًا مهمًا، فشغفهم المشترك بالصيد أنشأ بينهم علاقات طيبة ومنحهم شعورًا بالسلام خارج حدود الوطن. وطبعًا غالبيتهم تعلموا الصيد على يد أبو العبد، ابن البحر والأمهر بين الساهرين معه. ورغم مودة الأجواء التي تجمع أولئك الساهرين، لا يخلو الأمر من بعض المنغصّات من قبل بعض اللبنانيين الذين لا يعرفونهم ويتضايقون من وجودهم، من باب أنهم يشاركونهم في كل شيء.

يقول أبو العبد: “حين تتعلم وتصطاد سمكتك الأولى تشعر بمتعة حقيقية. تحاول شد الخيط بواسطة البكرة حتى تشعر بألم في يديك، أنت تشدّ والسمكة تقاوم وتشدّ بالاتجاه المعاكس، الى أن تحسم الأمر أخيرًا وتتغلب عليها. وهكذا تكمن المتعة في عملية الصيد ذاتها وليس في أكل ما تصطاد”.

غادر لؤي حوّا (أبو العبد) حي الصليبة في مدينة اللاذقية منذ بدء “الحرب السورية” عام 2011، ليستقر في بيروت التي اعتاد على زيارة بحرها كل ليلة بعد يوم عملٍ طويل في ورشته الخاصة بالنجارة. يقول أبو العبد: ” نقلتُ هواية صيد السمك معي الى بيروت حيث علّمتُها لكثير من السوريين القادمين من مناطق عدة، كإدلب وحماة ودمشق وحلب وغيرها”.

ويتابع القول مازحًا: “في كل يوم يطلب مني أحد الأصدقاء بعض السمك، وطبعًا لا أستطيع تلبية جميع الطلبات، فأعلّمهم الصيد لأريح رأسي من طلباتهم. يستغرق الأمر بضعة أيام فقط حتى يصير الواحد منهم قادرًا على الصيد بنفسه”.

يتم الصيد بالسنّارة عادة في فترات المساء والليل حين يقترب السمك من الشاطىء. ويزدهر الموسم من شهر آب/أغسطس الى شهر كانون الأول/ديسمبر، فيما ينقطع طوال فترة الشتاء بسبب هيجان البحر وعلوّ الموج. قبل أن تبدأ مرحلة التفريخ ونمو السمك أوائل الصيف بانتظار بدء موسمٍ جديد.

يقول أبو العبد: “لا نصطاد بهدف الكسب المادي، بل هي هواية فحسب. نوزّع ما نجنيه من ثمار البحر على الأصدقاء والأصحاب. يمكن أن أصطاد ما بين 3 الى 4 سمكات في اليوم الواحد، وربما أكثر من ذلك في ساعة واحدة فقط، أو أسبوع كامل، هي أرزاق لا يمكن التنبؤ بها”.

ويتابع القول: “سقى الله أيام اللاذقية، هناك الخير أكثر والسمك أوفر، حيث لا تعود الى البيت قبل أن تصيد حوالي 4 كيلوجرامات يوميًا، وخاصة في منطقة البور”.

ينتظر أبو العبد بصبرٍ حتى تعلق سمكة عاثرة الحظ بخطاف سنارته المصطفّة الى جانب العديد من زميلاتها بشكل أفقي، ومن بينها سنارة محمد، زميله الذي تعلم الصيد على يديه منذ استقر في بيروت قادمًا من مدينة حلب عام 2006.

يقول محمد: “تعرفتُ الى أبو العبد وصرتُ أرافقه الى البحر بهدف التسلية وحب الاطلاع فحسب، ومع مرور الأيام تعلمتُ منه الصيد بواسطة سنارة البكرة. في البداية كنت أجرب الصيد بسنارته، وحين اصطدتُ سمكتي الأولى اشتريتُ معداتي الخاصة وما زلتُ أصطاد حتى يومنا هذا. أي إنّ أبو العبد هو الذي ورطني بهذه العادة”.

يمارس محمد مهنة الخياطة النسائية في محله الخاص. يقول إنه لم يزر سوريا منذ بدء الأزمة، لكنه يأمل بالعودة إليها يومًا ما. وحينها سيزور صديقه أبو العبد في اللاذقية، مرة في الأسبوع على الأقل، لممارسة هوايته التي ما عاد بوسعه التخلي عنها أبدًا.

أبو العبد أيضًا لم يزر سوريا منذ عام 2011. يشتاق الى اللاذقية وبحرها وهوائها، ولديه فيها منزل ومحل وسيارتان. تمت مصادرة السيارتين من قبل الأجهزة الأمنية بتهمة حيازة السلاح التي لا أساس لها من الصحة كما يقول. وهكذا لم يعد بإمكانه العودة في الوقت الراهن بسبب بعض الإشكالات الأمنية، ولأسباب أخرى من أهمها طلب أولاده لأداء الخدمة العسكرية الاحتياطية، وخاصة بعد أن تزوجوا وصار لكل منهم التزاماته المعيشية والعائلية.

صحيح أن الرجلان يجتمعان بشكل شبه يومي للاسترخاء في ضيافة بحر بيروت، لكن لكل منهما مكنوناته وهواجسه الخاصة. حالهما حال أغلب السوريين في لبنان، وخاصة في ظل ضبابية المشهد العام وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع بعد الانتفاضة الشعبية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية التي يعاني منها اللبنانيون، فكيف بغالبية السوريين الذين بالكاد يتدبرون أبسط متطلباتهم المعيشية اليومية.

أنس وبي

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع