fbpx

من بطش النظام إلى الحياة القاسية في تركيا

 

 

اكتشفت نفسها وسط النار والدم والمعارك، فتحولت إلى امرأة أخرى ظهرت من خلالها قوتها الكامنة التي تفجرت لحماية عائلتها من الجوع والموت، وإنقاذ جرحى الثورة، وتهريبهم إلى بر الأمان.

عبير هاشم المولودة في مدينة حلب، والأم لخمسة أبناء، نهلت من والدها معلم اللغة العربية القوة والشجاعة، تروي لموقع أنا إنسان قصة كفاحها خلال الثورة السورية، والتي جعلتها لاجئة في تركيا، بعد أن قصفت أحلامها في وطنها، حيث قالت: «كنت الفتاة الكبرى في عائلتي، وكان أبي قدوتي وسندي إلى يوم وفاته منذ عشرة أعوام، حيث غرس فيّ خصاله الحميدة، منحني الجرأة والشجاعة لأناقش وأشارك في جميع الأنشطة، كنت أشعر أني لست كغيري من الفتيات، فالطاقة والأحلام بداخلي تكبرني بأعوام، وآمالي كالأفق لا حدود لها».

بدأت قصة عبير حين تعرفت على شاب من دير الزور في الجامعة، فتحابا، وتزوجا بعد معارضة شديدة من الأهل، وسكنا في حي صلاح الدين، وأنجبا أربعة أطفال، وعملا معاً لتأسيس أسرة سعيدة، حتى قامت الثورة وشاركت «فيها بحماس شديد، وتطوعت في معظم الأمور الإغاثية التي تخص النازحين من حمص إلى حلب. كنت مسؤولة عن أكثر من خمسين عائلة مع زملائي الذين تعرفت عليهم في المظاهرات، ومن التنسيقيات على السكايب في حلب التي كانت القبضة الأمنية الظالمة مشددة عليها، وتقمع المظاهرات بأي وسيلة كانت. كنا نجهز الحقائب الطبية يوم الجمعة لإسعاف جرحى المظاهرات، ونجهز اللافتات، وقد شاركت في أكثر من ثمانين مظاهرة».

تعرضت عبير للتهديدات من شبيحة حيّ صلاح الدين الذي انتفض ضد القمع والقتل، وخضعت لاستجوابات عديدة من قبل إدارة مدرستها بسبب عدم مشاركتها في مسيرات التأييد الكاذبة، وداهم الأمن منزلها مرات عدة بحثاً عن أخيها الذي هرب إلى تركيا من بطش النظام.

وتتابع عبير سرد الأشهر الأولى من تاريخ الثورة في حلب: «كانت والدتي تدعى أم الثوار؛ لأنها كانت تعتني بهم، وتقدم لهم الطعام، وتدعو لهم، وتحثهم على مواصلة المسير، فالجميع يعرفها، ويعرف أنها أم أبو عمر الحلبي الذي كان مشهوراً في أعماله الثورية، حيث كان يهيأ لنا اصطحاب جرحى المظاهرات، وتأمين عبورهم للعلاج في تركيا عندما كان معبر باب الهوى كان تحت سيطرة النظام. كنا وأخي وزوجي نؤمن عبور الجرحى إلى تركيا، فنمر على عدة حواجز للنظام، ونلبس الجرحى عباءات نسائية للتمويه، وننجو من الحواجز بأعجوبة، وفي الطرف الآخر من الأراضي التركية، كان أخي يستقبلهم ويستضيفهم في بيته ويؤمن دخولهم المشافي للعناية بهم».

تغيرت حياة عبير عندما طلب منها أخيها القدوم إلى الريحانية للاستقرار بها، والاهتمام بدار الجرحى، وتأمين الطعام واللباس لهم، وتنظيف بيوتهم. عبرت حي الحمدانية بصعوبة بالغة، وبعد معاناة من محاولات للتهريب عبر الأسلاك الشائكة، ثم معاناة جديدة ورحلة شاقة من الغربة والشقاء، وصلت إلى تركيا لتعيش مع خمس عائلات في بيت واحد، وذلك في صيف 2012 الذي وافق شهر رمضان. وقالت: «بعد شهر من وصولنا؛ قررنا البحث عن منزل مستقل، وانتقلنا إلى حارة شعبية، وسكنا مع صاحبة المنزل, وكان ضيوفها كثر، وتلقائياً تحولت إلى شبه مستخدمة لديها، مهمتي الطبخ والجلي وتقديم الشاي والقهوة، كنت مضطرة للمسايرة ريثما تسافر صاحبة المنزل إلى إسطنبول وتترك لنا المنزل. وبعد سفرها عاد زوجي إلى سوريا، وبقيت في غربتي وحيدة ومسؤولة عن أربعة أولاد».

بعد أن شعرت عبير بالإفلاس المادي في بلد غريب عنها، خرجت للبحث عن أي عمل يقيها وأولادها الجوع والعوز، وكان العمل المتوفر الزراعة التي لا تعرف عنها إلا الاسم، وتتابع: «اصطحبتني جارتي التركية معها للعمل، كان يوماً لن أنساه ما حييت، فقد امتلأت يداي بالأشواك، ووصل بكائي عنان السماء؛ وأنا أقتلع معهم محصول البصل. مرت الشهور وأنا أعمل في الحقول لأتقاضى أجراً يساعدني على العيش بكرامة، إلى أن تم افتتاح مدرسة السلام، والتحقت بكادرها، فتحسنت أموري قليلاً، وأصبحت أعمل في المجال الذي أحب».

أصبحت عبير بعد ذلك، مسؤولة الأنشطة في المدرسة، ثم انتقلت للعمل كمديرة لمركز اجتماعي يهتم بإقامة الدورات والورشات الخاصة بالنساء، وكان حلمها وهدفها أن يبقى السوريين متماسكين في كلّ الظروف، حيث تختم قصة معاناتها: «لن أتوانى عن الوقوف إلى جانب المرأة السورية أينما كانت، لذلك خضعت لدورات مكثفة وعديدة كي أٌقوم بواجبي تجاه مجتمعي وقضيتي، فأنا كالكثير من السوريات اللواتي فُرضت عليهن الحرب، فكن أقوى منها، تحملن المسؤوليات الكبرى، وأصبحن الأمهات والآباء معاً».

 

 

وضحة عثمان

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع