fbpx

نازحوا الشمال بين جشع «سوريين» ونار «النظام»

 

 

نهى الحسن

 

«لم نستطع أن نخرج شيئا من أمتعتنا وأرزاقنا، خرجنا بثيابنا فقط وبالكاد نجونا، حتى وصلنا إلى منطقة سرمدا الحدودية، ولأن إيجارات البيوت خيالية وتدفع بالدولار، افترشنا العراء وأقمنا كالكثير من العائلات النازحة في إحدى الأراضي الزراعية مشردين تحت أشجار الزيتون دون مأوى أو مرافق خدمية». هكذا تصف أمل الشيخ (40 عاما) النازحة من كفرنبودة لـــــ أنا إنسان رحلة نزوحها مع أبنائها هرباً من القصف.

هذا أيضاً كان حال الغالبية العظمى من سكان مناطق كفرنبودة، وقلعة المضيق، والهبيط، واللطامنة، وخان شيخون، وكفرزيتا، ومعرة حرمة الذين تركوا بيوتهم، بعد الهجمة الشرسة والعمليات العسكرية الضخمة التي تقوم بها قوات «النظام» وحليفه الروسي على ريفي إدلب وحماة، حيث وصل عدد النازحين بحسب آخر إحصائيات «منسقو الاستجابة»  في الشمال السوري إلى ما يقارب خمسمائة وأربعة آلاف نازح.

الناشط الإعلامي خالد الحميدو(27 عاماً) نازح من مدينته كفرنبل التي دمرها القصف تدميراً شبه كامل، يقول عن جشع البعض الذي أجبر كثيراً من الأهالي النازحين أن يفترشوا العراء: «رغم كل الظروف والأوضاع المأساوية التي يعيشها الأهالي في ريفي إدلب وحماة، استغل بعض ضعاف النفوس من تجار العقارات ظروف النازحين وحاجتهم للمأوى لكسب المزيد من الربح المادي، ورفعوا إيجارات المنازل فاضطر كثير من النازحين البؤساء إلى المبيت في العراء، وفي الأراضي الزراعية لعدم قدرتهم على تسديد إجرة البيت بعد أن وصل بعض إيجارات البيوت على المناطق الحدودية إلى 300 دولار أمريكي».

ليس هذا فحسب إنما طلب بعض ملاك بساتين الزيتون من النازحين الذي لم يجدوا مأوى لعدم قدرتهم المادية، دفع «أرضية» (أي دفع مقابل مادي للسماح للنازحين بالبقاء في أرضهم)، بدأت من 15ألف ليرة سورية أو ما يعادل 30 دولاراً إلى ما يقارب 100 دولاراً في حالات أخرى.

نزحت سهيلة المحاميد (٣٨عاما) مع عائلتها من بلدة قلعة المضيق، واستقر بها الحال في مخيم الطليعة في قرية حنتوتين بجبل الزاوية الذي يقع ضمن منطقة جبلية صخرية، إلا أن الخيام المرتجلة من بطانيات وشوادر لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وتضيف «لقد نجوت وأطفالي بأعجوبة من القصف والموت لنقيم حاليا مع مئات العائلات النازحة في ما يشبه الخيام إلا أننا نعاني من نقص كبير في الخدمات الصحية والخدمية والتعليمية كمياه الشرب ودورات المياه والصرف الصحي»، وبسبب وضع زوجها الصحي المصاب بالشلل التام نتيجة شظية صاروخ إحدى الطائرات الحربية استقرت في عموده الفقري، صارت المعيل الوحيد لعائلتها، وتعمل مع أطفالها في قطاف نبات الشفلح (نبات شوكي)، لتحصل على ما يقارب ألف ليرة سورية يومياً بغية تأمين لقمة العيش، خاصة وأن المخيم يفتقر إلى المواد الغذائية حيث لايوجد أي منظمة تقدم له الدعم.

فيما يروي أسعد العمور (45 عاما) من بلدة الهبيط لــــ أنا إنسان قصة نزوحه إلى المناطق الحدودية مع تركيا:«لقد دمر منزلنا بالكامل إثر قصف الطيران المروحي بالبراميل المتفجرة، وتوفيت زوجتي وأحد أطفالي الخمسة على إثرها، وبترت قدم ولدي الأكبر(13 عاما)، ولم يكن لدي أي وسيلة نقل أو مال لاستئجار سيارة كي أنزح وأنجو بماتبقى من عائلتي، إلى أن أتى أحد أقاربي وأخرجنا بسيارته، ونقيم حاليا في مخيمات أطمة الحدودية المكتظة بالنازحين في ظروف مأساوية».

وكما البشر كذلك الحيوانات لم تسلم من القصف الهمجي، حيث كانت الأرملة فاطمة العلوش (35عاما) تملك بعض الأغنام تبيع ما تنتجه من حليب وألبان وأجبان لتعيل أطفالها الستة بعد استشهاد زوجها في إحدى غارات الطيران الحربي على قريتها كفروما، إلا أن صواريخ الغدر أبت أن تبقي لها غنمة واحدة بعدما سقط أحد تلك الصواريخ على الحظيرة ودمرها، لتبقى بلا مصدر رزق منتظرة نهاية الشهر لتحصل على سلة غذائية لا تسمن ولاتغني من جوع من إحدى المنظمات الإغاثية، وبحسب العلوش «مذ رحل زوجي وأنا أموت كل يوم ألف مرة، فلا يكاد يخلو يوم من مشاهد الموت والقصف والدمار، ولا معيل لنا  أو سند يخرجنا لمنطقة آمنة، لأنجو بأطفالي مما نحن فيه».

الآلاف من العائلات السورية تقبع تحت قصف عنيف غير قادرين على الهرب من آلة القصف الهمجية بسبب الغلاء الفاحش أوصعوبة الحصول على سكن أو انعدام فرص العمل في مناطق النزوح، وفي ظل هذه المشاهد المأساوية يمضي غالبية أهالي ريفي إدلب وحماة حياتهم خائفين مقهورين مشردين، يحتمون بأغصان من شجر الزيتون باتت أحن عليهم من ضمائر البشر في العالم، وفي ظل غياب شبه كامل للمنظمات الإنسانية والإغاثية.

 

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع