fbpx
أعلام مختلفة باتت ترفرف في سوريا فهل يمكن جمع السوريين من جديد تحت راية واحدة؟(المصدر: من الانترنت).

هل تمثل كل هذه الأعلام السوريين؟

المشاهدات: 65

“لقد ماتت ابنتي برصاصة طائشة لا أدري من أين جاءت؟، أو لمن تتبع؟، لأي راية أو علم؟! كما تموت سوريا أمامنا الآن تدريجياً وحولها مئات الرايات والأعلام على شكل كفن دولي!”.

هكذا يحكي محمود الخضر 47 سنة من قرية – كفرحوم في ريف إدلب، قصته مع ازدحام الرايات والأعلام في سوريا. قابلته في مدينة -غازي عنتاب التركية بعد أن لجأ مع عائلته عام 2015، وهو يقطن الآن بالقرب من “البازار الإيراني”، ويعمل في بيع الذرة المسلوقة. حين أخرج من جيبه دفتراً صغيراً، تبين أنه يضم صور أطفال صغار، إلا أنه تحدث بغصة وحزن: “هذه صور أطفالي الثلاثة ( عمر وأحمد ومها)؛ دفنتُ مها بيديّ هاتين، بعد أن تعرضت لرصاصة طائشة بالقرب من منزل جدها في منطقة حارم خلال الشهر العاشر من عام 2012 أثناء معارك بين الجيش الحر وقوات الأسد. لا أدري من أين جاءت الرصاصة، وتابعة لأي راية أو علم؛ فالجيش الحر لكل فصيل ضمنه راية، وقوات النظام وميليشياته المحلية مع عناصر حزب الله لهم العديد من الرايات والأعلام!!”، ويضيف الأب “قريتنا قريبة من الحدود التركية، وكنا نرى العلم التركي من مسافة ليست بعيدة، ولم يكن لدي مشكلة في ذلك، لكنني الآن وبعد المقتلة السورية، أصبحت أكره كل الأعلام، والرايات، ولن أعترف بأي علم دولة حتى يمثّل علم الثورة السورية الشعب السوري، ونتخلص من الطاغية بشار الأسد والاحتلال الروسي والإيراني، وتدخلات الدول الإقليمية والعالمية التي تمرر مصالحها على حساب دماء السوريين”.

تشبه منتهى عبد الرحمن، سيدة من مضايا -متزوجة ولديها طفلة، وهي نازحة الآن في إدلب الرايات والأعلام في سوريا بالراحلة “زينب الحصني الفتاة الحمصيّة التي اعتقلها النظام في بداية الثورة بتهمة أن أخاها يشارك في المظاهرات، وقد سلّمت قوى الأمن جثتها لذويها بعد شهر مقطّعة الأوصال والرأس، في كيس بلاستيكي! … هكذا هي سوريا، تشبه زينب الحصني، مقطعة الجسم، ولقد قتلوها بكافة الوسائل الدموية، إضافةً إلى ركز الرايات والأعلام في جسمها، وأصبح كل طرف ينهش منها، ويأخذ حصته، رافعاً علمه أو رايته؛ منهم من يفعل هذا بوقاحة وعلناً أمام العالم، ومنهم من يختل كالحيوانات القمّامة ليشارك في الوليمة!”.

وتضيف منتهى إلى الحديث بحرقة وأسى قصة خروجهم تجاه إدلب من حصار مضايا الذي دام سنتين وستة أشهر:” حينما خرجنا من الحصار، وعند الحواجز الترابية المرتفعة التي تحيط بمضايا، كان علم حزب الله (الذي حاصرنا عناصره مع قوات النظام) يرفرف فوق أحد التلول الترابية! كم هو مؤلم هذا الشعور. إلا أن طريق نزوحها حمل المزيد من الحكايات والأعلام، حيث تقول: “منذ فترة خرجنا من المحرّر، ( مصطلح يُطلق على المناطق المحررة من النظام وحلفائه) تجاه مدينة عفرين، وكنا كلما مررنا بحاجز عسكري تابع لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، يقول السائق للنساء:  – انتبهنَ، عليكن وضع الخمار جيداً، ولاتظهرن شيئاً من وجوهكن، كي لا أتعرض للمساءلة من قبل عناصر الهيئة. وحين اجتزنا جميع الحواجز، ودخلنا إلى مشارف عفرين، أغلبنا أماطَ خمار الوجه، حيث قال لنا السائق مرةً أخرى لكن بتهكّم، إن هؤلاء، أي العناصر على حواجز الجيش الوطني، ليس لديهم مشكلة مع الحجاب ولا الخمار، هم منفتحون! ورويداً رويداً، بدأ علم الثورة يظهر أمامنا، وصرتُ أقارن بينه وبين رايات الفصائل الإسلامية.. وحتى هؤلاء، – الجيش الوطني – شعرتُ بأنهم سرقوا علم الثورة، فهو علمنا وعلم الشهداء، وليس علماً يرفع باسم فصائل تقتتل كل يوم بين بعضها البعض من أجل أجندات دول خارجية!”.

لكن بعض المقيمين في المناطق التي يسيطر عليها النظام لهم رأي مختلف، فعبدالله عبدالله (اسم مستعار لأسباب أمنية) من ريف حلب؛ تاجر يعمل في الاستيراد والتصدير (قطع كهربائية). سألني “لماذا يا أخي حتى هذه اللحظة نختلف على علم سوريا الأحمر، أو الأخضر، مادام هنالك عشرات الأعلام والرايات في كل مكان داخل البلد؟!، وحينما سألته عن العلم الذي يتبناه، أجاب ضاحكاً: ” الأحمر .. الأحمر، نجمتان، (أي علم النظام السوري). وأردف قائلاً:” الأخضر(علم الثورة) بنجومه الثلاث جعلنا نرى نجوم الظهر! وخسرنا البلد، وأعمالنا وأهلنا وأطفالنا، ولم نرَ من الثوار والجيش الحر سوى الخطف والقتل والتخريب، علاوة على جلبهم للقتلة واللصوص؛ أما الحكومة السورية، قد أمّنت حلب وأغلب المدن، وعدنا إلى أراضينا بعد أن نزحنا، وأكملنا معيشتنا تحت ظل حكومتنا الشرعية وعلمها الذي سيبقى وتزول كل الرايات والأعلام”.

فيما لم يتعامل معاذ حسن 37 خريج علم اجتماع من جامعة دمشق، وهو فلسطيني سوري مقيم في مدينة – غراتس النمساوية؛ “مع الرايات على أنها مقدّسة، ولم أحترم إطلاقاً فكرة خدمة العلم. كنت أقرأ الأعلام على أنها قماش ملوّن يرمز لدولة أو منظمة، ويكرس الاختلافات والتنوع بين الثقافات و الشعوب، أما في سوريا، فقد كان اختلاف الرايات وكثرتها يبعث على الرعب و ينبّئ بمستقبل من الخراب، إذ يعكس في طياته تنازع قوى مختلفة في أجنداتها وأيديولوجياتها، مما يطيل في عمر الحرب و يقسم البلاد و الشعب، ويزيد في ثقل الخسارات و تلاشي مفهوم الدولة. أذكر ذات مساء في دمشق -شارع بغداد تحديداً، كنت مع بعض الأصدقاء فتوقفنا عند حاجز يرفع علم حزب الله، وكنت قد شربت الكثير من الفودكا ( مشروب كحولي) ماجعل ردة فعلي مع العسكري  أكثر جرأة، بل متهورة أيضاً، حينها أشهرت زجاجة الفودكا في وجهه وعلقتُ ساخراً بعد أن طلب بطاقاتنا الشخصية : أنا لا أعترف بحسن نصر الله حتى أعترف بحزبه “، أما عن الرايات التي رآها في سوريا فيقول “لم أقرأ في رايات الفصائل الإسلامية سوى السواد نفسه، وغربان تحوم في سماء البلد! ولم أشهد الفرق في العلم السوري بنجماته الحمراء أو الخضراء إلا أنه تكريس لانقسام شرائح الشعب و تباين في انتمائاتها، حيث أخذت الثورة شكلاً من الحرب تحت رايات مختلفة؛ – بلد واحد بأعلام كثيرة”.

فيما ترى عائشة صبري كاتبة سورية تعيش في ولاية مرسين التركية، “موضوع تعدد الرايات في سوريا هو بحث مستفيض، لأنه أحد أهم أسباب مآسي الثورة؛ فاختراق الساحة السورية والثورة جاء مع تعدد الرايات ما أدى إلى حرف بوصلة السلاح وإطالة أمد الحرب في سوريا ووصولها لما هو عليه اليوم”، وحكت قصة جرت معها قبل أعوام عندما كانت تسافر من حمص إلى حلب فتقول:” كنت أرتاح نفسياً عندما يلوح علم الثورة الأخضر من نافذة الحافلة، ويقول السائق هنا لدينا تفتيش في ريف إدلب تابع للثوار، وعند رؤيتي لعلم نظام الأسد الأحمر ينقبض قلبي، وأشعر بالخوف والضيق عند تفتيش الحقيبة، رغم أنها لا تحوي سوى ملابسي وبعض الأشياء الشخصية، ويزداد توترتي عندما يصعد عنصر الحاجز إلى داخل الباص ليرى البطاقات الشخصية، بينما أبتسم لرؤية الثائر المقاتل المدافع عن الشعب السوري حاملاً دمه على يديه وخاصة من يرتدي سوار العلم في يده”.

 

أحمد بغدادي

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع