fbpx

هل يجد السوريون عملاً لإعالة أسرهم؟

يرتب بضاعته القديمة بترنح شديد، فلم يعد يحقق أرباحاً منها كما كان في السابق، فانتظار الزبائن لا يفيد بعد الآن، حتى المكان عرف الخيبات المتلازمة أكثر من مرة خلال عامان من الافتتاح، وما يكفيه أنه بقي على قيد الحياة حتى اللحظة دون طرق أبواب الناس للمساعدة، كما فعل الكثير من أصحابه، “العمل قليل جداً بينما العاطلين عنه كثر”، هكذا بدأ محمود حافظ حديثه لموقع “أنا إنسان”.

ويواجه السوريون في المناطق المحررة عددا من التحديات والضغوطات اليومية أبرزها تحدي صعوبة العيش في ظل قلة فرص العمل وكثرة الأيدي العاملة العاطلة عن العمل في المنطقة، نتيجة فقدان المنطقة للمعامل والمنشآت التي كانت تستقطب آلاف العمال، وانقطاع الكثير منهم خلال السنوات قبل الثورة، وأما في الأعوام القليلة الماضية فشلت جهود العديد منهم في إقامة مشاريعهم وأعمالهم الخاصة نظراً لفقدان مناطقهم الأمن والاستقرار والنزوح والتهجير الذي ساهم في تدهور النشاط الاقتصادي المحلي وتطوره.

شاهد : شهادات صادمة من نازحين سوريين في الشمال السوري … أنا إنسان 

محمود حافظ شاب سوري يبلغ من العمر 29 عاماً يقيم في مدينة مارع بريف حلب الشمالي بعد تهجيره من محافظة حلب قبل خمسة سنوات، وهو معيل لثلاثة أطفال ووالدتهم، لم يلتحق محمود بأي عمل لإعالة أسرته إنما اتجه للعمل الحر وتجارة الأدوات والبضائع المستعملة، والتي يشتريها من الأهالي في القرى والبلدات المجاورة.

وقال لـ “أنا إنسان”: “لا يبدو العمل متاحًا في الوقت الحالي لكنّي كنت قد بحثت سابقاً في العديد من المنشآت عن عمل لكنني لم أجد، فاتخذت من تجارة البضائع والأدوات المنزلية القديمة محطة رزق لأسرتي”.

محمود يخرج في ساعات الصباح الأولى في دراجة نارية لها ثلاث عجلات اقتناها بعد نزوحه، يشتري من منازل الأهالي الأدوات المنزلية التالفة وبعضها الذي يصلح للعمل، يوضح ذلك قائلاً: “أقوم بإصلاحها بطرق بدائية ثم أجري عليها بعض الإضافات القليلة وأبيعها، تأمن لي مربح جيد يمكنه تدبر نفقات أسرتي مؤقتاً”.

شاهد بالفيديو : أوضاع إنسانية صعبة يعيشها النازحون في مخيمات الشمال السوري

لكن يبدو لم تعد الطريقة ناجحة للحصول على دخل، فيقول: “الآن لم يعد ينجح هذا العمل فالكثير من العائلات لا تستطيع الحصول على لقمة عيشها ولذلك امتنعت عن اقتناء الأدوات المنزلية أو بيعها نظراً لصعوبة الحصول على بديل لها في ظل الغلاء الفاحش”.

يواجه محمود الكثير من التحديات خلال هذه الأيام وخاصةً مع دخول فصل الشتاء الذي يعرف بقلة العمل الحر فيه لذا فإنه لا يمتلك في غالب الأحيان ثمن ربطة خبز لإطعام أطفاله.

كما التقى “أنا إنسان” علاء غازي 37 عاماً وهو من قرية احتيملات الواقعة بريف حلب الشمالي، ويعيل أسرة مكونة من خمسة أشخاص، بينما يعمل في تقطيع أغصان الأشجار كالزيتون والجوز، لدى أحد التجار في البلدة، ويستخدم منشار خشب بنزين، اقتناه العام الفائت للعمل به بعد حصوله على مرتبه الشهري من عمله العسكري.

يوضح عن تطورات عمله: “في الواقع كنت أعمل في السنوات السابقة قبل الثورة في المعامل والمصانع في مدينة حلب، وكنت أواجه صعوبات لكن كان العمل الحر متوفر قليلاً أترك مصنع ألتحق بآخر”، وفقد غازي عمله في المصانع في مدينة حلب منذ اندلاع الثورة والتطورات العسكرية التي نتجت بعدها، مما دفعه إلى الجلوس في المنزل لانتظار تحسن الوضع وهذا ما لم يحصل.

ويضيف لـ “أنا إنسان”: “انتظرت شهوراً عدة لكن الوضع الأمني كان يتأزم أكثر لذلك بدأت في البحث عن عمل حر لدى المحال التجارية والزراعية الموسمية في بعض الأحيان أعمل وخلال الشتاء أجلس في المنزل لا عمل يعني لا طعام!”. ودفعته الحاجة إلى العمل للانخراط في صفوف فصائل المعارضة السورية في منطقته للحصول على مبلغ شهري مقابل مرابطته في إحدى النقاط العسكرية القريبة من خطوط النار مع داعش سابقاً.

وأوضح: “أرابط في النقطة العسكرية على شكل مناوبات تصل إلى 10 أيام في الشهر لكنها متقطعة، وأحصل على مرتب شهري يصل إلى 400 ليرة تركية يمكنها تغطية بعض النفقات المنزلية التي تحتاجها أسرتي”. ويعمل في باقي أيام الشهر بتحطيب أغصان الزيتون لدى التجار المحليون في المنطقة، مقابل أجر مالي للطن الواحد ويقدر بـ 2000 ليرة سورية، ما يعادل 2 دولار أمريكية، ويستطيع من خلالها تأمين الحاجيات اليومية التي تحتاجها الأسرة. ويؤكد: “أن غالبية الرجال في المناطق المحررة تعتمد على هذا الأسلوب لتتمكن من تغطية الاحتياجات الأسرية”.

شاهد بالفيديو : نزوح عشرات العائلات السورية من ريفي إدلب وحماة إلى الحدود السورية التركية بسبب قصف قوات النظام

بينما يجلس قرب خيمته على وسادة سوداء كانت في السابق عباءة لكنها فنيت نتيجة ارتداءها لسنوات طويلة، “حسن الحميد” رجل في منتصف عقده الخامس بات في خيمة صغير يقطنها قرب قرية كفر غان بريف حلب الشمالي، بعد نزوحه من ريف إدلب الجنوبي قبل أشهر معدودة نتيجة تقدم قوات النظام إلى قريته الصياد الواقعة بين ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي.

وتحدّث حسن الحميد عن أجره ، فقال: “أجلس هنا لساعات طوال، فبيتي قد استملكته ميليشيا النظام، ولم أستطع إخراج سوى بعض الثياب والحاجيات الخفيفة منه”. وأضاف: “لا أعمل حالياً فقد شارفت على الستين وأولادي انتشروا في المخيمات كذلك همومهم يبحثون عن عمل وفي بعض الأحيان يعملون وأياماً كثيرة يجلسون دون عمل كيف لي أن أطلب منهم مساعدتي”.

ويقيم حسن الحميد في مخيم عشوائي أقيم في أرض زراعية قرب قرية كفرغان بريف حلب الشمالي، كان يعمل سابقاً في أرضه الزراعية لكن بعد تهجيره بقيت وحيدة كما هو، وأوضح: “أجمع بعض العيدان أشعل المدفأة ليلاً وأنتظر زوجتي وابنتاي للعودة من عملهم في جني محصول البطاطا التشرينية وقد سميت بذلك لأنه يتم جنيها في شهري تشرين الأول والثاني”.

ويحصل العامل مقابل الساعة الواحدة 200 ليرة سورية بينما يستمر العمل لمدة خمس ساعات يومياً، وهي تساوي 1000 ليرة سورية في اليوم، ما يعادل دولار واحد أمريكي، ويستطيع حسن الحميد تأمين بعض الحاجيات كالطعام والماء فقط بينما تفتقر الأسرة للكثير من مقومات الحياة. ويؤكد “أن عمره الذي قارب الستين لا يستطيع تحمل العمل والبرد لكن الوضع السيء الذي وصلت إليه أسرته دفعه للمكوث في الخيمة خوفاً من المرض لأن الأدوية ارتفعت أسعارها ولا يستطيع تحمل نفقاتها”.

إلى ذلك فإن سكان الشمال السوري يواجهون الكثير من الضغوطات بسبب قلة فرص العمل، وانتشار البطالة في المنطقة مما ساهم في ازدياد نسبة الفقر والفقراء في المنطقة، وهذا ما سيدفع الكثير منهم لارتكاب جرائم ومخاطر لها عواقب لا تحمد عقباها في ظل افتقار المنطقة للمنشآت والشركات للقضاء على البطالة.

 

حسين الخطيب

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع