fbpx

ولدي … مات جوعاً

المشاهدات: 3151

المكتب الاعلامي لمعضمية الشام

خاص ” أنا قصة إنسان ” 

خبأت ولديّ عماد وعصمت ليطمئن قلبي عليهما من عيون القناصين خلف شجرة كبيرة الحجم, إذ ساعدني حجمها الكبير في التحرك قليلا لأجمع الحشائش من الأرض كي أقوم بطبخها لإطعام أطفالي, وبالطبع لم يستغرب أحد من أنني أقوم بجمع الحشائش من الأرض وهي غذاء الدواب والحيوانات ,إذ ما أخبرته أنني من سورية وتحديداً من مدينة المعضميّة بريف دمشق التي تعرضت لحصار خانق في جميع مداخلها من قبل قوات الجيش السوري ومنع على إثر هذا الحصار دخول الطعام والمساعدات الغذائية ,مع قطع للماء والكهرباء وكل مقومات الحياة إضافة إلى القصف اليومي بدبابات الفرقة العسكرية الرابعة

وقنص المدنيين العزل ,كنوع من العقاب لأبناء المدينة على مشاركتهم في الاحتجاجات ضد النظام والحكم.

وفي ذلك اليوم, تناول أطفالي آخر حبة زيتون كانت موجودة في المطبخ وقبل يومين كانت قد انتهت جميع الحشائش التي جمعتها من حديقة المنزل والتي كنت قد اعتمدت عليها في إطعامهم حين يغلب عليهم الجوع. كان يوماً قاسياً لا أتمناه لأي أم سورية. وحدي من تحملت كل ما حدث, ففي البداية حاولت أن أشغل أطفالي بأمور أخرى, لكن الجوع غلبهم ولم يتوقف بكائهم لحظة واحدة.

عصمت وعماد الصوان , هما من بقي لي بعد اعتقال والدهم محمد الصوان من قبل الأجهزة الأمنية الذي مازال مصيره مجهولاً حتى اليوم.

لم يكن بوسعي حينها إلا أن أتوجه إلى أقرب حقل أجمع منه الحشائش كي أطعمهم, فنتيجة للحصار , أصبحنا نشارك الدواب والحيوانات طعامها كي نبقى على قيد الحياة.

 بعد أن انتهيت وعدت أدراجي نحو المنزل , سرت واضعة أطفالي إلى جانبي بطريقة تجعلني أتلقى عنهم أي رصاصة في حال كشف القناص موقعنا أثناء السير, لكن القناص لم يشاهدنا وإنما أحد رماة المدفعية في التلة المقابلة باغتنا بطلقة مدفعيته التي جاءت بالقرب منا, وأصيب على إثرها طفلي الأول عماد بثلاثين شظية ,فيما تعرض عصمت لإصابات خطيرة جداً, وكذلك كان أمري ,حيث سارع السكان إلينا على إثر صراخنا محاولين إنقاذنا ,فتم إسعافنا إلى المشفى الميداني وبدأ الأطباء بمعالجة الأطفال, ولكن بسبب الحصار وقلة المواد الإسعافية لم تتوفر كافة الاحتياجات الطبية اللازمة وفقد ابني عصمت عينه في بداية الأمر نتيجة لإصابته من ثم لم يساعده جسده في  تحمل حجم الإصابات الخطيرة فتوفي ولم أستطع فعل أي شيء من أجله , بينما استطاع عماد النجاة على الرغم من إصابته بثلاثين شظية حيث استطاع الأطباء إنقاذه بما توفر من مواد طبية, لكن كان من الضروري تقديم الطعام والدواء لجسده المريض وكلاهما كانا مفقودين في المنطقة وتحديداً ” السيروم”  مما جعلني أقفأمام تحدٍ جديد.

دفنت عصمت ولم أستطع البكاء عليه. حملت عماد بين يدي بينما كنت أنظر كيف يردم من ساعدني التراب فوق جثته ,كنت أواسي نفسي قائلةً لعل هذا أفضل من عذاب الجوع والقهر, ولعل هذا أفضل من سماعه يقول لي “أنا جائع”  ولا أستطيع إطعامه, فأنا أم وكل أم تعلم تماماً معنى ما أقول.

عماد الصوان
الصورة الوحيدة التي حصلنا عليها لعماد من المكتب الاعلامي لمعضمية الشام بعد تعرضه للاصابة

حاولت قدر الإمكان تأمين الطعام لعماد كي يبقى حياً ,كنت أبحث بين المنازل ,وفي الحدائق وفي أي مكان يمكن أن يتوفر به ولو بقايا طعام , وكل ما حصلت عليه بالكاد أبقاه حياً , إذ كان لابد أيضاً من تأمين الدواء اللازم لجسده, وقد نصحني أحد سكان البلدة  بالتوجه إلى مدينة داريا المجاورة لنا, ففيها قد يتوفر ما يلزم, إلا أن داريا هي أيضاً محاصرة كما المعضمية , وللوصول إليها لابد من عبور طريق خطر قد نقتل عليه كونه مكشوف على رماة المدفعية وأعين القناصين  , لكني حسمت أمري وقررت عبور الطريق , فهنا سيموت طفلي جوعاً وإن قتلنا في طريقنا فليس بالأمر الجديد, بكل الأحوال نحن أموات, وقد شجعني على اتخاذ قراري هذا تعرض المدينة إلى القصف الكيماوي الذي قتل على إثرة في الحادي والعشرين من شهر آب العديد من سكان المدينة فخفت على عماد من الإصابة على إثر ذلك.

حالفني الحظ واستطعت العبور ,ودخلت مدينة داريا , إلا أن مشافيها الميدانية لم تكن أفضل من مشافي المعضمية فهي الأخرى قد نفذت منها كل الموارد الطبية نتيجة حصارها.

جلست أراقب عماد كيف يموت أمامي يوماً بعد يوم ,فجسده أصبح هزيلاً جداً , وغدا لونه أصفر كحبة الليمون  , وبقيت أنظر إليه عاجزةً عن فعل أي شيء سوى البكاء فوق رأسه إلى أن توفي وكتب لي أن أشاهد ذات المشهد مع طفليّ والتراب ينهال فوق جثتيهما.

دفن ولداي أمام عيني, ولم أستطع فعل أي شيء لهما

حصار عسكري لا يرحم, قتل الكبير والصغير منا , زوجي اعتقل ولم أعرف عنه أي شيء حتى اليوم ,وها أنا ذا دفنت أبنائي بعد ان ماتوا جوعاً وقصفاً.. وجع ما بعده وجع.

هذه حكايتي مع الحصار والجوع والموت, ولست الوحيدة التي تتألم فجميع نساء المعضمية وداريا وأغلب المناطق السورية قد ذاقوا كأس مرارتي هذا ..أو ربما أكثر.

فيديو الوحيد الذي تم تصويره لـ عماد … فيه عماد قبل وفاته بعد تعرضه للاصابة وفيه مشاهد لعماد بعد وفاته من الجوع

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع