fbpx

ريما ابو عيشة … حكايتي مع المعتقلات الاسرائيلية

المشاهدات: 2593

ازهار عويضة – صحفية فلسطينية

ريماأبو عيشة - اسيرة فلسطينية “ودعي أهلك… لأ بديش اودعهم… بس إنت مطولة عنا… لأ مش مطولة راجعة عن قريب… بدي اودع جدي… لأ مش مسموحلك الا امك وابوك… دفشني وانا عم اصرخ ستي ديري بالك ع سيدي واحكيله يرضى علي”

منعها الضابط المسؤول من رؤية جدها حينما طلبت ذلك منهم، فكان يراودها شعور بأنها لن تراه مجدداً وذهبت عنوة مع جنود الإحتلال، صوبت عينيها نحو باب بيته علَّها تلمحه لكنها لم تنجح….

بدأت رحلتها ريما ابو عيشة بمقارعة الاحتلال الصهيوني في 25 تموز 2008 عندما هُددت على حاجز قدوميم بين نابلس وقلقيليا بالإعتقال المفاجئ لها، فمنذ ذلك اليوم وهي تُحضر نفسها واهلها لمرحلة اعتقالها، لكن متى وكيف واين لم يكن يعلم أحد بتلك التفاصيل.

في نابلس الساعة الثالثة صباحاً من تاريخ 14 شباط 2009 بعد تخرجها بأيام من جامعة النجاح تخصص تربية تكنولوجية، اقتحمت قوات الاحتلال بيت ريما ابو عيشة بهدف اعتقالها، فتشوا منزلها بطريقة همجية جداً، طلبوا من والدها أن يُجبرها على التعاون معهم لكنها كانت الأقوى ورفضت، طلبوا منها ان تودع اهلها لكنها احتجت قائلة: “بديش اودعهم لأني راجعة قريباً”.

قادوها إلى معسكر حوارة لإحتجازها هناك ريثما تأتي مخابرات الإحتلال لأخذها، طلبت أن تدخل الحمام لكنهم رفضوا ومنعوها لمدة ست ساعات تقريباً عن قضاء حاجتها، تم فحصها طبياً كإجراء روتيني في مستوطنة شافي شامرون، كانت ريما خائفة في تلك المرحلة لأن الطبيب كان من احدى المتدينين المتشددين، بعد كل الإجراءات الروتينية سُلمت ريما ابو عيشة لقوات المخابرات الإسرائيلية قسم بيت هحتيكفا.

وُضعت ريما في غرفة صغيرة لمدة ست ساعات وحدها لم تُحدث أحد ولم يُحدثها احد، دخل رجل في رتبة ضابط على تلك الغرفة وضع على عينيها شريط اسود وبدأ ينتقل بها بين الغرف لدرجة انها استطاعت ان تحفظ الطرق بين الغرف دون ان ترى شيئاً مما حولها.

كانت لائحة الإتهام ضد ريما انتماءها إلى الجبهة الشعبية، ورسالة هاتفية بينها وبين مجموعة من اصدقائها تنص على :”احنا جبنا اربع حبات لوز على الموسم”، واعتبرتها قوات الإحتلال بأنها تهديد لكيانها ووجودها، تحديداً أن ريما كانت نشيطة جداً في الفعاليات السياسة التي تُنظمها جبهة العمل الطلابي في جامعة النجاح، فهذا جعلها عرضة للمراقبة من قبل الاحتلال.

كان التحقيق معها شبه متواصل يومياً، تعرضت للتعذيب النفسي بالحديث عن وضع اهلها الصحي وتحديداً والدها مما وضعها في دوامة بين الخوف والانكسار وبين القوة والتحدي امام كل الضغوطات التي تعرضت لها، وعن تهديدها بإعتقال اخيها وللتعامل الهمجي العنيف لكنها صمدتْ.

وضعت في زنزانة منفردة لمدة ثلاثة ايام لم تُحدث بها ريما احداً الا رجلاً اخترق زنزانتها عبر صوت ناعم من وراء جدار الزنزانة المجاورة لها كان اسمه عمرو، تفاجئت بأنه حدثها عن اللذين اعتقلوا معها مما جعلها تشك قليلاً به، لكن في اليوم الثالث لهما من شدة شوقها لأهلها والحديث عنهم حدثته عنهم، وبعد ان اعادوها للتحقيق تفاجئت بأن المحقق كان على علم تام بحديثهما، وكانت المرة الأولى منذ اعتقالها التي يُسمح لريما بها أن تُحدث اهلها لكنهم لم يُجيبوا على هاتفها مما زاد قلقها عليهم، وعندما عادت الى الزنزانة وحاولت ان تُحدث عمرو اكتشفت انه غير موجود فتأكدت من ظنونها بأنه احدى العصافير التي تُحاول قوات المخابرات ايقاع المعتقلين بالإعترافات من خلالهم.

لم يكن يشغل بال ريما حينها الا صديقها الذي أعتقل قبلها وظنت انه سبب اعتقالها هي وبقية اصدقائها، كانت قلقة من جهة عليهم ومن جهة أُخرى على جدها المريض ووالدها الذي تعتبره نقطة ضعفها، وخوفها على اخيها الذي هُددت بإعتقاله ان لم تتعاون معهم، لكنها بقيت ريما الصامدة امام كل القلق الذي زرعه الاحتلال بداخلها.

دخلت ريما المرحلة الأصعب في اعتقالها حيث أنه تم وضعها في قسم 2 للجنائيات الاسرائيلية في سجن هشارون، صمدت ريما بين متهمات القتل والمخدرات والدعارة اسبوعين، كان هذا اسوأ انواع التعذيب النفسي كمحاولة لكسر شوكتها امامهم لكنها كانت الأقوى.

عُزلت ريما بعد ذلك في غرفة صغيرة باردة لشهر كامل، اكتشفت بأن في الزنازين الانفرادية بجوارها فتاتيين من الخليل اداهما اربعة عشر عاماً، والأخرى ستة عشر عاماً كنَّ يتبادلن الأحاديث كل من زنزانتها دون ان يرين بعضهن.

وصلت ريما إلى القسم الأمني بعد كل هذه المعاناة في سجن هشارون، حيث بدأت حياتها كأسيرة داخل سجون الإحتلال، نظمت حياتها على ممارسة القراءة والرياضة والمشاركة في الندوات التي تُنظمها الأسيرات هناك، اعتادت عليهن فشاركتهن الحب والخوف والقلق والهم حتى الدمعة والإبتسامة، شاركتهن الطعام والشراب.

كان من الصعب على ريما ابنة الثانية والعشرين بعد ذلك ان تنتقل لسجن أخر، لكن نُقلت ريما غلأى سجن الدامون وهذا نوع تعذيب نفسي يسخدمه الإحتلال مع الأسرى بتنقلهم الدائم من سجن لإخر، سجن الدامون يُعتبر من اقدم سجون الإحتلال الصهيوني، كانت شخصية ريما قوية واعتادت على سجنها الجديد بوقت قصير حيث ان سجن الدامون تنظيمي اكثر بالنسبة لباقي سجون الاحتلال، كانت قوية لدرجة انها تغلبت على الصعوبات والتخبطات النفسية التي مرت بها خلال تلك المرحلة.

صقلت ريما شخصيتها اكثر ونظمتها اكثر داخل ذلك السجن، قضت معظم وقتها بين القراءة والرياضة والندوات الاجتماعية والسياسية المفروضه على جميع الأسيرات الفلسطينيات هناك، وكان هناك وقتاً للراحة، كان ذلك السجن مميزاُ لريما بسبب وجود طفل ولدته أمه في السجن وبقي معها اسيراً هناك، كانت ريما قلقة على ذلك الطفل ومصيره كثيراً تحديداً انه لا يعي شيئاً عما حوله وعما يحدث خارج جدران السجن، لكن براءة ذلك الطفل جعلتها اقوى واصلب امام كل المضايقات التي تعرضت لها من ادراة السجن هناك.

عاشت حياتها داخل السجن ككل الأسيرات الفلسطينيات مليئة بالشوق للأهل والأصدقاء والبيت ولممارسة الحياة بشكل طبيعي، كانت دائمة الخوف على كل من كانت تُحبه في عالمها الأخر كأصدقائها اللذين أُعتقلوا معها ولم تصلها منذ حينها اي معلومة عنهم.

بعد شهرين من المعاناة التي مرت بها ريما في سجنها إلا أنها عُرضت على المحكمة العسكرية  حيث ُ انه بعد محاولات كثيرة مع القاضي المسؤول تمت سفقة بين محامي ريما محمود غسان فحُكم عليها بالسجن تسعة اشهر ودفع غرامة مالية قدرها تسعة الاف شيقل.

سُجنت ريما ثمانية أشهر وفي 27 ايلول 2009 حصلت على حريتها بصفقة تمت بين حماس في غزة وحكومة الكيان الصهيوني على ان حماس تعرض فيديو مصور عن وضع الجندي الصحي الذي اسرته اثناء حرب غزة 2006 مقابل الإفراج عن سبعة اسيرات فلسطينيات في سجون الإحتلال الصهيوني.

خرجت ريما إلى الحرية بتاريخ 2 تشرين اول 2009 ، كانت فرحتها ممزوجة بالحزن عندما علمت ان اصدقائها حملوا لائحة الاتهام الموجهه ضدها لحمايتها، عانقت ريما الحرية ومدينتها نابلس واهلها واصدقائها بلهفة لم تعتادها من قبل، حتى انها اكتشفت الكم الهائل من الحب الذي تحمله لإخيها المشاكس لها دوماً.

لم تنتهي معاناة ريما ابو عيشة في سجون الاحتلال بل حملتها معها إلى الخارج حيث عانت بمواجهة مجتمعها ونظرته للفتاة التي يتم اعتقالها من قبل قوات الاحتلال، فكانت النظرة على انها ناقصة والأسئلة التي واجهتها كانت تُدينها خوفاً من ان تكون قد تعرضت للاغتصاب او التحرش الجنسي، فكانت تُعاني من المسائلات الاجتماعية مما جعلها تُعاني في العودة إلى حياتها الطبيعية.

عانت وما زالت تُعاني من الحواجز العسكرية التي يضعها الاحتلال بين محافظات الضفة فقط لإنها اسيرة سابقة، وقلت فرص عملها ايضاً، وقلت تحركاتها خوفاً على نفسها وعلى اهلها من اعتقال جديد.

ريما ابو عيشة ابنة التاسعة والعشرين التي صمدت امام تحقيقات قوات المخابرات الصهيونية التي هزمت رجالاً كُثر، الا انها استطاعت بحكمتها بالرغم من عمرها الصغير ان تتغِلب على كل الافكار والمعتقدات التي اطلقها مجتمعها امامها وعادتً لتُمارس نشاطاتها الشبابية كما كانت قبل الإعتقال وبشكل طبيعي، حيث عملت على مشروع مقاطعة بضائع الاحتلال التي تُساهم في معاونة جيش الاحتلال على شراء اسلحتهم وبناء قوتهم، والأن تشغل منصب علاقات عامة في مركز الامن الوطني الفلسطيني قسم نابلس.

ريما حالة من حالات الشباب الفلسطيني اللذين ما زالو يُقارعون الإحتلال من اجل بناء مستقبل افضل لهم على ارضهم، وما زال الاحتلال يقتل ويُشرد ويهدم ويعرقل تقدمهم نحو ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.ِ

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع