fbpx

حلول سريعة لإنقاذ الأطفال في عرسال

الاستيقاظ كلّ صباح داخل الخيمة، النهوض والاستعداد لبداية يومٍ طويل، الوصول إلى المدرسة، قرع الجرس، والبدء بيوميات التعليم، أمرٌ يفعله ما يقارب ثمانين معلمٍ ومعلمة، في مخيمات اللاجئين السوريين في بلدة عرسال الجرديّة الحدودية، والدافع الوحيد هو إنقاذ ما تبقى من هذا الجيل.

يوجد في بلدة عرسال حالياً نحو 55 ألف لاجئٍ سوري، معظمهم يعيشون فيها منذ سبع سنوات. المدارس اللبنانية الرسمية الأربع لا تستوعب العدد الكلي للأطفال اللاجئين. كما يوجد في البلدة عدد من المدارس غير الرسمية، منها ما تديره منظمات إنسانية، ومنها ما يعمل بمبادرات فردية.
زرتُ هذه البلدة منذ أيام، وتجولت بين العديد من المراكز التعليمية وغيرها، دُهِشتُ مجدداً من قدرة الناس هناك على الحياة.. على سباق الشمس بالإرادة والإشراق كلّ فجر.

مدرسة “بناة المستقبل” التي تُدرّس طلابها المنهاج اللبناني المعرّب، بها 400 طالب من الصف الأول الإبتدائي حتى الثالث الثانوي- فرع الاجتماع والإقتصاد. عشرون شخصاً هم الكادر التعليمي فيها، يبذلون قصارى جهدهم، دون وجود الإمكانات الضرورية.

زينب هي إحدى مدرسات الصف الأول الإبتدائي، تخبرني أن ما يحفزها كلّ يوم على تحمّل أعباء الحياة وظروف اللجوء القاسية في عرسال، هو ما تقوم به لأجل تلاميذها في الصف، وتؤكد حتى لو أنّها بحاجة ماسة لأجرٍ بسيط تسدّ به إيجار الخيمة، إلاّ أنّها ستستمر هذه السنة، في الذهاب إلى المدرسة، و إكمال واجبها تجاههم إلى أن يأتي الفرج.

فالكادر التدريسي يرضى بمقابل بسيط يعادل 80$ في الشهر، مع العلم بأنّ أغلب المدرسين يعملون في الدوامين، الصباحي وبعد الظهر.

 

بضع دقائق في السيارة، وصلتُ لمدرسة “قرية حياة”، وكان المشهد مؤلماً أكثر من الذي سبقه. هذه المدرسة تأسست بجهود فردية قبل ستّ سنوات. وتضمّ حالياً 1100 من الطلبة السوريين، ينقسمون في 36 صف إلى دوامين، يناوب على تعليمهم 60 من الكادر التعليمي. وتعدّ أكبر تجمع دراسي للأطفال السوريين في البلدة.

الأساتذة هنا منظّمون بشكل كبير.. الجميع يعطي بضميره و ابتسامته. يحاول الأساتذة في هذه المدرسة فرز الكتب وترميمها ليتمكنوا من تدريس الأطفال هذا العام، فالكتب باتت مهترئة جداً، تمّ تداولها لستّ سنوات على أطفال مختلفين.

يتمّ هنا تدريس منهاج الحكومة السورية المؤقتة (الائتلاف) لأنهم لا يملكون سوى هذه الكتب التالفة. وأكدّ لي مدير المدرسة الأستاذ محمد ديب سالم، أنّهم جاهزون لتدريس أي منهج يتمّ الإعتراف به، والتعاون مع أيّ جهة تتبنى طباعة الكتب وتأمين مستلزمات المدرسة.

أخبرني أنّ المدرسة لازالت منذ إنشائها قائمة على الجهود الفردية، ولازالوا يدفعون من مالهم الخاص كي تصمد المدرسة لأجل الأطفال. رأيتُ ما يحاولون فعله لإنقاذ الأطفال بإرادة كبيرة، فالكثير منهم أصبح عمره الطبيعي أكبر من صفه الدراسيّ، والكثير أيضاً لايزال بحاجة لمحو الأميّة رغم بلوغ سنّ المراهقة؛ فهذا ما فعلته بهم سنوات الحرب واللجوء.

سأتكلم في سطوري هذه عن حلّ بسيط، نستطيع من خلاله مساعدة هؤلاء الأطفال. إنّ طباعة نسخٍ من كتب المنهاج اللبناني المعرّب هو جزء من الحل، وهو أمر لن تكون تكلفته باهظة إذا ما شاركنا في دعم حملة #لازم_نتعلم، وقدمناه للمدرسة لتقوم بطباعة الكتب في أسرع وقت ممكن.

نحن لا نزال في بداية العام الدراسي، واختيار هذا المنهاج ليس عشوائياً، بل بالدرجة الأولى ليتمكن الطالب في هذه المدارس من تعلّم المنهاج اللبناني بسهولة، وليصل إلى الشهادات الأساسية ( الإعدادية والثانوية) فيستطيع فيما بعد التقديم على الطلب الحرّ للشهادة.

ورغم أن هاتين المدرستين غير مرخصتين في الأصل، إلا أن الجهود المبذولة بهما أنتجت في السنوات السابقة طلاباً تفوقوا في الشهادات كما لو أنّهم درسوا في المدرسة الرسمية. فضلاً عن ذلك، فإنّنا بهذا نضمن عدم ضياع السنوات على هؤلاء الطلبة، خاصّة وأنّ الأهالي في عرسال لا يستطيعون دفع 400$ لأطفالهم، ليتقدموا إلى الشهادات الرسمية السورية عن طريق مركز موجود في البقاع الأوسط يكفل دخول الطلاب بشكل يومي وخروجهم أئناء الإمتحانات إلى الأراضي السورية، بعد تأمين بطاقات الترشيح لهم.
المدرستان: “بناة المستقبل” و “قرية حياة”، ليستا بحاجة للدعم في تأمين مستلزمات الكتب وطباعتها فحسب، بل أيضاً تعدّ بلدة عرسال من أبرد المناطق الللبنانية وأقساها شتاءاً، فالدعم يتطلب توفير التدفئة في المدرستين، بالإضافة للنظر في تشجيع الأساتذة وشكرهم، ومكافأتهم ولو بمبالغ بسيطة، تكون لهم عوناً وحافزاً يساندهم.

في لقائي مع الأهالي في المخيمات، وجدتُ تأييداً وامتناناً كبيرا للمعلمين في هاتين المدرستين، ورغبة في إبقاء أطفالهم فيهما، حتى لو لم يكن معترف بشهاداتهما. هم يريدون لأبنائهم شهادات معترفاً بها، ولكن “مو طالع باليد حيلة”، كما يقولون.

فقبول الطلاب في هاتين المدرستين لا يتطلب الواسطات، ولا يعتمد على المناطقية. هم أيضاً يخشون على أطفالهم من ارتياد المدارس الرسمية رغم الاعتراف بشهادتها ودعم المفوضية لها، لأنّ الأطفال يتعرضون للتعنيف في المدارس الرسمية، ولا يتمّ تعليمهم كما يجب. فالاستاذ في المدرسة الرسمية يمضي وقته على الهاتف او غير ذلك، دون الإلتزام بتدريس التلاميذ السوريين في الدوام الثاني (بعد الظهر). و أكدَّ لي أحد الأساتذة في مدرسة “قرية حياة” أنّ أحد التلاميذ القادمين من الرسمية، أعادوه من الصف الخامس إلى الأول الإبتدائي بعد امتحان تحديد المستوى له، مما يؤشر على المستوى المتدني للتعليم في المدارس الرسمية.

معلمة أخرى أخبرتني أنّها التقت بمسؤولة في وزارة التربية خلال زيارتها لعرسال، وأن هذه المسؤولة عبرت عن خشيتها من زيارة مدرسة “قرية حياة”، لأن الوزارة تمنعها من ذلك، فالوزارة تدرك أن التعليم في تلك المدرسة يتمتع بجودة عالية.

وفي النهاية لابدّ من التنويه إلى أن حملة #لازم_نتعلم، نما إلى علمها أنّ الأساتذة في المدرسة المذكورة تلقوا إنذاراً مباشراً من الأمن العام، بالترحيل عن الأراضي اللبنانية اذا ما استمروا بدوامهم في المدرسة، لكن الأساتذة رفضوا وأبلغوا الضابط الذي أجبرهم على التوقيع على تعهد بعدم الدوام بالمدرسة، بأنهم مستمرون في التدريس، لأنّ هؤلاء التلاميذ هم أطفالهم، ولن يتوقفوا عن فعل ما فيه مصلحة لهم.

 

مزنة الزهوري

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع