fbpx

ذنبه أنّه ولد في الحرب .. قصة حمزة أحد شهداء الغوطة الشرقية

 

أنس الشامي

شعور غريب انتابني لحظة وصولي، الناس حول الشّهيد أعرفهم ولكن من هول الموقف لم أكترث لهم، فتحت آلة التصوير لتوثيق استشهاده ونظرت للصورة، توقف بي الزمان للحظات، شعرت بنبضات قلبي تزداد، حاولت إمساكها بكلّ قوتي لم أتجرأ على التأكّد من اللقطة مرّة أخرى أو النظر للجثمان.

أحسست أنّ كلّ شيء توقّف، الزمن والكلام وحتى الدّم في عروقي، تذكّرت ضحكاته وصوته الناعم، نظراته، حاولت ألا أذرف الدموع، قلت لنفسي “ربما لا يكون هو”، خرجت قليلاً من المكان المخصّص للتكفين، آلة التصوير بين يديّ أتلمّسها أخشى أن أرى الصورة التي التقطها، ولكن من حولي هم أهله وجيرانه، عدت وأمعنت النظر وأبعدت كامرتي من يدي، وصرت أتلمس وجهه وإصابته وعيناه المغمضتين، شعرت برعشة وبرودة في جسدي، وضعت يدي على رأسه تذكرت كلّ شيء عنه، وأيقنت هنا أنّه هو لا محالة، صديقي وقريبي حمزة.

لم يمض على عودة حمزة من دمشق إلى الغوطة الشرقيّة سوى بضعة أيام، بعد أن توجّه إليها لاستلام بطاقته الشخصية التي ذهب لأخذها رغم علمه أنّ حياته ربما ستكون الثمن، لكنّه قرّر المخاطرة مرّة ثانية، فرؤية والده المعتقل منذ سنوات تستحق بالنسبة له أن يدفع حياته ثمناً لها، رغم أنّ بطاقته لا تعني له شيئاً إذ لم تعد تحمل بطاقة الهوية السوريّة ذاك المعنى بالانتماء إلى الوطن بعد أن احتلته العديد من الدول، إلا أنّها وسيلته الوحيدة لرؤية والده.

أخذ حمزة درّاجته وخرج من المنزل، لم تستطع أمه أن تودعه لأنّه كان على عجلة من أمره، حتى جده لم يستطع رؤيته يومها.

كان الجدّ يعمل ليل نهار ببيع الحطب كي يعتني بأحفاده من ابنه المعتقل ولا يحرمهم من أي شيء يطلبونه، ويوميّا اعتاد حمزة أن يسلم على جده قبل خروجه من المنزل، إلا أنّه في ذلك اليوم الأليم الذي استشهد فيه كان متحمّساً لدرجة أنّه نسي كل شيء ولم يتذكّر إلا شوقه لأبيه.

انطلق حمزة محلّقاً كالنّسر على درّاجته، وضحكته تحاكي طيور السماء، وفي منتصف الطريق حصل ما لم يحسب له حمزة أي حساب، لقد نسي أنّه يعيش تحت حكم نظام غادر، لا يعرف من الحياة إلا القتل والظلم.

قذيفة غادرة قتلت ضحكته وشلت حركته، حاول التحرك من مكان إصابته حتى يشاهده أحد ويسعفه، ولكنّ ثوان قليلة من الألم عاشها حمزة قبل أن يفارق الحياة.

تنظر أم حمزة يوميّاً إلى صوره، وتشعر بشوق كبير له، فقد ترك رحيله فراغاً كبيراً في المنزل، ولا شيء يقلّل من حجم معاناتها، خاصة بعد زيارتها لزوجها المعتقل وإخباره باستشهاد ابنه الأكبر.

تقول أم حمزة: “لم تكن سعادتي برؤية زوجي أكبر من حزني على فراق ابني، دخلت إلى غرفة الزيارة وسيطرت الدموع على لقائنا، حاولت أن أكون قويّة وأظهرت له فرحتي برؤيته بخير بعد أن وصلتني عدة إشاعات باستشهاده، ثم كانت اللحظة الأصعب عندما سألني عن حمزة “.

صمتت أم حمزة قليلاً، وأخذت نفساً عميقاً ثم أغمضت عينيها، وأردفت: “حين سألني عن حمزة أحسست بأنّ لساني انعقد لكنّني قلت له الأعمار بيد الله، والله اختار ابنك حمزة ليكون شهيداً وشفيعاً لنا يوم القيامة”.

سيطر الألم على والد حمزة وغمرت عيناه الدموع واكتفى بقوله حسبنا الله ونعم الوكيل، لله ما أخذ ولله ما أعطى.

حمزة واحد من آلاف الأطفال اللذين اغتالتهم قذائف النظام وصواريخه، وسرقت منهم أجمل أيام طفولتهم، وذنبهم الوحيد أنّهم ولدوا في الحرب.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع