fbpx
أخبار

رجال قبل الآوان

نسرين جبريل 

حالياً أنا مسؤول عن أمي وإخوتي الأربعة رغم أنني مازلت في 16 من عمري، لا أستطيع أن أصف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي فهي كبيرة للغاية، فأنا أمثلُ دور والدي الغائب منذ اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية في سورية، اسمي الحقيقي محمد من ريف دمشق لكنني أُلقب بـ ” أبو عنتر ” وسبب هذا اللقب أنني أعمل في مجال البناء وحمل المواد الثقيلة طوال اليوم، حيث اعتقد الذين أعمل معهم في البداية أنني لا استطيع حمل الكثير لكنهم تفاجأوا بحجم نشاطي وقوة جسمي رغم صغر عمري فاطلقوا هذا اللقب علي.

صورة من عمالة الاطفال السوريين اللاجئين في لبنان

كل يوم علي أن أعود بثمن الخبر والخضار، وفي آخر الشهر يجب علي دفع إيجار الخيمة في المخيم وفاتورة الكهرباء التي يفرضها صاحب الأرض بعد أن أقام عليها المخيم والتي تصل أحيانا إلى 50 دولاراً، ولامجال أمامي سوى أن أتحمل هذه المسؤولية كاملة، ولأنني فقدت حظي في التعليم صممتُ أن يتابع إخوتي تعليمهم ولم أسمح لأي واحد منهم بالدخول إلى سوق العمل رغم أوضاعنا السيئة، وهم الآن يتابعون تعليمهم.

محمد هو مجرد رقم عابر بين 250 ألف طفل سوري في لبنان يُعتبرون خارج التعليم ومنخرطين في سوق العمل بحسب احصائية صدرت لمنظمة هيومن رايتس ووتش بتاريخ19 يوليو لعام 2016، وقد اعتبرت المنظمة هؤلاء الأطفال ” قنابل موقوتة” ومن أسباب ضخامة هذا العدد هو الفقر واتباع الحكومة اللبنانية اجراءات تمنع الكثير من الأطفال من متابعة تعليمهم ( مرفق مع المادة رابط الدراسة كاملة).

وقد تكون قصة محمد هي الأخرى مجرد قصة عادية أما قصة مازن ابن 13 عاماً والذي يعمل في مجال جمع القمامة مع إخوته الثلاثة لتأمين علاج والدهم المقعد نتيجة الحرب، حيث تعتمد معيشتهم على ما يتم بيعه من بقايا المواد البلاستيكية وغيرها المتوفرة في حاويات القمامة في منطقة البقاع حيث يسكن الأخوة الثلاثة مع والدتهم ووالدهم في إحدى الخيم، ومازن لايجد مشكلة في هذا العمل مقابل أن يتعافى والده ليؤمن مصروف أسرته حيث يقول:” لقد كنا محترمين في سورية ووالدي كان موظفاً في أحد الدوائر الحكومية وكنت أتابع دراستي إلى حين قصف المنزل وتعرض والدي للإصابة ثم لجأنا إلى لبنان، ولم يكن أمامي خيار سوى العمل مع إخوتي ( كريم 11 عام و أحمد 9 اعوام ) في جمع ما هو متوفر في حاويات القمامة وبيعه لتأمين مصاريف الحياة وعلاج والدي، وطبعا بحثنا كثيراً عن جمعيات للمساعدة لكن دون جدوى، ونحن اليوم نتحمل مسؤولية والدينا ونحن سوف نقدم كل ما بوسعنا لنقدم لهم كل ما نستطيع.

في مخيمات البقاع يعيش سامر ابن 15عاماً أيضا وهو يعمل في ورشة حدادة بأجر لايتجاوز 20 دولاراً أسبوعياً وهو الآخر مسؤول عن مصروف أمه وإخوته الثلاث وبنات عمه الثلاث، حيث قتل عمه وزوجته خلال القصف ومن ثم

طفل سوري لاجئ في لبنان يعمل في حقول البقاع اللبناني

اعتقل والده ولم يعرف مصيره حتى اليوم، واضطر سامر للنزوح مع أمه وإخوته وبنات عمه وأصبح مسؤولاً عنهم وعن مصروفهم والجميل في الأمر أنه هو الآخر أصرَّ على متابعة تعليمهم ورفض تزويج بنات عمه تحت سن 18، وهكذا قرار يؤكد أن سامر قد وصل إلى وعي كبير لعل ظروف الحياة وقسوتها جعلته يكبر قبل أوانه.

في حال أردنا الحديث عن أطفال سوريا الموجودين في مخيمات لبنان، وعن حجم المسؤولية التي وقعت على عاتقهم خلال سنوات اللجوء فنحن بحاجة إلى صفحات لنكتب آلاف القصص، قصص عن القسوة وحجم المسؤولية الكبير التي يعجز بعض الكبار عن تحملها أحياناً إلا أن هؤلاء الأطفال تحملوها وكانوا رجالاً حقيقيين فعلاً وقولاً، أطفال عجنتهم الحرب و وقسوة المجتمع واللجوء فأصبحوا في كثير من الأحيان رجالاً قبل أوانهم.

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع