fbpx

روبن هود سوريا .. يبحث عن الفقراء في الشوارع والبيوت المعتمة

المشاهدات: 271

أمين محمد شاهين

أينما تجده؛ تعلم أن هناك عائلة فقيرة في الأنحاء، فالرجل الستيني الذي عرف بلسانه الطويل ومعارضته الطويلة لنظام الحكم في سوريا، نذر نفسه ورزقه للفقراء، بعد أن أصيب بمقتل عندما وجد أن ولده الوحيد، وبناته قد قرروا الرحيل مثل ملايين السوريين نحو الغرب، فلم يجد أمامه سوى أن يساهم في درء الوجع والفقر عن الذين تشردوا، وأيتام الحرب من أطفال ونساء.

اتخذ “رجا الطويل” بداية طريقه في الأماكن التي يقطن فيها المهجرين، وهي أماكن معروفة بخدماتها المتواضعة، ووحشتها، فاعتاد كل مساء أن يترك الطعام والحطب والثياب أمام أبواب الفقراء، ويراقب البيوت من بعيد حتى يخرج أصحابها ليأخذوا هديتهم بكل حب؛ دون أن يعلموا مصدرها. وفي مواسم العنب والتفاح والتين كانت السلل تتكدس في سيارته الصينية الصغيرة لتستقر أمام أبواب الفقراء على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، فالفقر لا يعرف موالٍ أو معارض، والكل وقود للصوص كما يقول دائماً. وعندما يشعر أن في جيبه أموال كثيرة؛ فاعلم أن (حوصانه) وعصبيته وصوته العالي ناتج عن اختلال فيزيولوجي بسبب عدم قدرته على استثماره في المكان المناسب، والوصول به إلى أحد ما بحاجة ماسة له.

يعمل “أبو مهران” بتجارة الأراضي، فهو ورث ثروة جيدة مع أشقائه الكثر من والده الراحل، واشتهر بتربية الأغنام وبيع منتجاتها، ولديه عدد من المحلات التجارية المستثمرة، لكن تلك البحبوحة لم تغير من طباعه أو من تصرفاته التي يعتبرها الكثيرون ناتجة عن خلل واضح في العقل، فهو يقوم كل فترة بالولائم، ويدعو لها الشعراء من كل أنحاء سوريا، ويحسب حساب الفقراء قبل أن يطعم ضيوفه، وبعد أن بدأ الحراك الشعبي في بداية العام 2011؛ فأعلن تأييده للمتظاهرين في مسقط رأسه، ووقف بوجه كل من كان يلاحق المعارضين علناً، متحملاً تبعات الأيام العصيبة التي كانت فيها القوى الأمنية تهاجم بشراسة ودون أي رادع. حوصر منزله أكثر من مرة عندما كان يأوي المتظاهرين القلائل. وعندما شعر باليأس عاد إلى ممارسة عمله بمساعدة الفقراء واليتامى والمهجرين، وتحول مع الوقت إلى روبن هود دون أن يكترث لخسائره المادية المتتالية، فالرب واحد والعمر لم يعد فيه ما يستحق العيش بذل.

يرفض أبو مهران الحديث بشكل قاطع للصحافة لأنها مسيسة ومأجورة على حد تعبيره، فلا حرية تمنح لأي شخص في سوريا، فكيف تمنح للصحفيين المرتبطين بلقمة العيش، وإذا اقتنع بأن هناك من يستطيع الكتابة، فإنه يعتبره إما متهوراً أو تابعاً للخارج، وفي كلا الحالتين الصحفي خاسر؟!..

يقول جيرانه أنه يأوي في بيته الواسع عائلة كبيرة مهجرة من درعا، ويرفض بشكل كلي خروجها من بيته إلا عندما يقررون هم ذلك، فهو أقل من واجب يقوم به تجاه الذين راحت بيوتهم وقتل رجالهم، وهم بالنسبة له أبناؤه الذين لم يعد يراهم بعد أن ابتلعتهم الغربة القصرية في أوروبا.

وعلى الرغم من أميته وعدم انخراطه في السياسة والأحزاب، إلا أن صاحب ساحة سلطان باشا الأطرش التي لم يستطع إكمالها حتى الآن بسبب الحرب، يقول لكل من يصادفه إن سوريا ليست وطناً للعيش ما دام هناك من يوهم الناس أن هذه الأرض المنهوبة بكل خيراتها لا تستطيع أن تطعم شعبها، وأن الوطن الذي تتقاتل عليه غالبية الدول العظمى من أجل ثرواته؛ يموت فيه الأطفال جوعاً.. ويعترف أنه ينظر إلى عوائل الضحايا من الموالاة والمعارضة بنفس السوية لأن هؤلاء لا ذنب لهم بشيء، وهو على يقين بأن من تطوع مع الفصائل التي يطلق عليها الرديفة لو يعلم ماذا حل بعائلته وأطفاله بعد أن مات من أجل لا شيء؛ لقلب بندقيته.

قد تكون معه أو ضده، ويمكن أن تكرهه لصراحته الصادمة وصوته المجلجل الذي لا يهاب أحداً، لكن الرجل الذي يعتبر الأطفال الأيتام أنهم أبناؤه يستحق أن تغمره المحبة.. وإذا ضاقت الدنيا يوماً عليك، واكتشفت بالصدفة أمام منزلك ما يقيك الحاجة، فاعلم أن وراء ذلك رجال مثل “أبو مهران” نذروا مالهم وعملهم للفقراء، فسوريا غنية بهم.

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع