fbpx

سعيد السوري .. ليس سعيداً باسمه ولا يعنيه من الحرب سوى مصير والده وأصدقائه

المشاهدات: 175

سامر النجم أبو شبلي

انتهت الطفولة قبل الأوان بالنسبة للعديد من الأطفال السوريين النازحين من بيوتهم بعد أن وطأة أقدامهم الغضة شوارع المدن الأقل دماراً وحرباً، إلا أن غالبية العائلات السورية كانت ترزح تحت هول الفقر والجوع، ما جعل آلاف الأطفال يخرجون إلى سوق العمل ويبحثون عن أي مصدر مهما كان شحيحاً، تاركين خلفهم كتباً تبحث عن قرائها.

قبل أربع سنوات، وفي غفلة من الزمن، كان سعيد – الذي حمل الاسم فقط – يبلغ من العمر 11 عاماً، يلعب كرة القدم بعد انتهاء المدرسة في قريته الواقعة في غوطة دمشق – التي تحمل أيضاً الاسم فقط بعد أن تحولت إلى حطام يابس-  كان يسطّر أحلامه كل يوم بأن يكون نجماً كروياً يقبض ملايين الليرات السورية لكي يشتري البيت والسيارة ويأكل في مطاعم العاصمة التي لم يراها، وفي المساء يعود إلى منزله ليكمل كتابة فروضه المدرسية، ويشاهد برامج الأطفال مع أشقائه الصغار.

اندلعت الحرب فجأة من حوله، ولم يكن يعرف من ضد من، ولا لماذا كان والده يغيب لأيام طويلة ثم يعود خلسة لبعض الوقت، ويختفي، حتى جاء اليوم الذي لم يعد به نهائياً، وبات خبر رحيله يشغل عقله ويبعده عن كل مسراته الصغيرة.. بات الرصاص القريب والقصف اليومي على أطراف القرية حافزاً لعدد من أبناء القرية على الهروب، فحملت والدته أبناءها مع قليل من الثياب، ورحلت مع من رحل نحو العاصمة دمشق، وأكملت طريقها باتجاه الجنوب بعد أن اكتشفت أن الحرب في كل مكان هنا، لكنها كانت تفضل الموت قبل هذا لولا تلك الأمانة الثقيلة التي تحملها. سكنت مع من سكن في صحنايا التي ضمت عشرات الآلاف من الهاربين مثلها، وبدأت تعلم أولاً بأول ماذا ينتظرها، فأخبرت سعيد بما تفكر به، وطلبت منه أن يكون رجل البيت، ويتحمل مسؤولية جلب المال للعائلة مقابل أن يتعلم أخويه في المدرسة. وهو ما كان، حيث اتجه نحو السوق، وبحث عن أي عمل حتى وجد صاحب محل ميكانيك قبل أن يكون الصبي الصغير تحت وصايته مقابل 500 ليرة سورية في اليوم الواحد؛ مقابل العمل في الزيت والشحم ما يقارب 12 ساعة يومياً.

يقول سعيد لموقع “أنا إنسان”: لقد نسيت كيف كنت أقرأ أو أكتب، وما عاد الأمر يعنيني بعد انقطاعي عن المدرسة مدة أربع سنوات. أنا اسمي سعيد، وسعيد أنني استطعت منع الجوع والحاجة عن أسرتي، ولا يهمني شيء آخر سوى معرفة إن كان والدي على قيد الحياة.

ولا ينسى كيف كانت الأيام الأولى للعمل تمر عليه كأنها دهر كامل.. كان عدد من الزبائن كريماً معه، وينفحونه مالاً يعتبر كنزاً كبيراً يفرح به قلب والدته التي لم تعد منذ زمن طويل تضحك.

يعترف سعيد أنه يكره سيرة والده، ولا يريد التفكير كثيراً أنه مات في المعارك، وتركهم يصارعون الموت لوحدهم.. (ما بعرف لهلق مين كان يقاتل مين، وعلى أي شي، كان بدي بس أعرف شو صار مع البابا، ورفقاتي إذا بعدن عايشين).

وعلى الرغم من قيام اليونسكو بتوفير المدارس وحاجياتها لعودة الأطفال إليها، ومحاولة تعويضهم ما فاتهم، إلا أن عدداً كبيراً منهم لم يكترث واعتاد على العمل الذي يبعد عنه الذل؛ حتى مع تلك المعونات التي تتلقاها عائلته، فالكثير منهم رفض فكرة مراكز الإيواء والخيم مهما كان الوضع.

ثماني وعشرين ألف طفل كانوا ضحايا الصراع الدموي السوري، دون أن يكترث أحد لأحلامهم وطفولتهم التي تناثرت في أرض الموت والخراب، هم تحولوا إلى رقم صغير نتغنى به ونعيد ترتيبه دون أن نفكر بأمهات يصارعن دموعهن كل مساء بحثاً عن زوايا أطفالهن المحببة، ويذهبن نحو ما تبقى من ذكريات ليشتموا رائحة البراءة، ولا برجال يغالبون رجولتهم عندما يحين موعد النوم حتى لا يشاهد حزنهم أحد، أو يتجسس على مرارة قلوبهم من يدعون الحزن.

لم تترك الحرب اللعينة من أجل لا شيء سوى الحسرة، وأجيال بلا مستقبل أو حلم، ولم يدرك ما تبقى من السوريين في الداخل والخارج أن هذه الأرض لم تعد تتسع إلا للموت، فبلاد لا يستطيع فيها الأطفال أن يلعبوا بحرية، لا تستحق أن يطلق عليها وطن.

بالمقابل فإن ما يقارب مليونين ونصف المليون طفل سوري، هم المستقبل المشرق كانوا خارج أسوار التعليم، ولا يمكن إعادتهم بعد الذي جرى لهم إلى مقاعد الخشب التي تحمل الحنان والعطف والحب، فقد أصبح ضرباً من الخيال أن تقنع طفلاً عاش كل جحيم الأرض أن يستمر مع مناهج فصلت على مقاس كراسي السلطة، وشعارات حزب البعث التي تحولت إلى قنابل على منزله ومدرسته.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع