fbpx

كيف يعاقب «النظام» المرأة بعد استشهاد زوجها؟

كانت تعد الإفطار حين سألها عن صحة الجنين، وقبل أن تجيب على سؤاله تلقى اتصالاً من صديقه يطلبه على عجل: «أسرع يا أحمد، لقد زرعوا عبوات بجانب الطريق، ومات أكثر من عشْرة مدنيين، ويوجد عبوات أخرى تحتاج للتفكيك». أسرع بارتداء حذائه من أجل ذلك، إذ اكتسب بعض الخبرة نتيجة عملِه في صيانة المعدات الكهربائية، فرجته كثيراً ألا يذهب، إلا إنه كان مصرّاً، وقال كلمته الأخيرة: «والله لا أسامح نفسي إذا مات شخص آخر بسبب عدم ذهابي، وكانت تلك هي المرةُ الأخيرةُ التي رأيته فيها».

في مطلع حزيران/يونيو عام 2017 الموافق السادس من رمضان لعام 1438 هجرية استشهد أحمد عند محاولته تفكيك باقي العبوات التي لم تنفجر؛ بعد مقتل ستة عشر مدنياً بتفجير إرهابي مفتعل من نظام الأسد، حيث زُرعت عبوات مصنّعة من قبل خُبراء في حزب الله اللّبناني على جانبي الطريق الواصل بين كفر شمس وعقربا بريف درعا الشمالي.

كان حزب الله يصنع عبوات على شكل حجر، وفي أحد الأيام زرع ثلاثة حقول، وفي كل حقل ثلاث عبوات، حيث انفجر جزء من الحقل الأول بسيارة للمدنيين، فاجتمع الناس لإسعافهم، فتم تفجير باقي الحقل، لكن الرغبة بإسعاف المصابين أجبرت الناس على التجمع فانفجر الحقل الثاني. حينها تم طلب أحد المختصين بتفكيك الألغام، وعندما قدم أحمد وجد الحقل الثالث لايزال قائماً ومعداً للتفجير، فبدأ بتفكيك قسم منه، وعندما وصل إلى اللغم الأم الموصول بدارة التحكم؛ حمله وركض به كي لا تنفجر بالناس المجتمعين حوله فانفجرت به وحده.

عندها أصبحت نور ابنة السبعة عشر عاماً أرملةً فيما تحمل في بطنها طفلَها الأول في شهره الثامن، ليولدَ في أول أيام عيد الفطر دون أبٍ يحمله ويوزّع الحلويات على الأقارب والأصحاب.

تقول نور لــــــــ أنا إنسان: «لقد تزوجته وأنا صغيرة. لقد كان حبي الأول. لم أكن أتخيل فراقه لمجرد ساعات، ولم يخطر ببالي أن يموت بهذه السرعة».

يقول شادي صديق أحمد، والذي كان برفقته أثناء الحادثة: «لقد قام أحمد بتفكيك العبوة الأولى والثانية، وساعد فرق الدفاع المدني على انتشال القتلى وإسعاف الجرحى. كان سعيداً جداً عندما استطاع تفكيكَ آلةِ القتل تلك، والتي ربما كانت ستكون سبباً بمقتل العشرات من المدنيين، حيث كانت تلك العبوات مخفية بشكل احترافي، ومموهة على شكل أحجار طبيعية بجانب الطريق. بعد أن أنهينا كل تلك الأعمال، وأعلنت فرقة الدفاع المدني عن أمان المكان؛ قررنا العودة، وبعد عشرات الأمتار صرخ بالسائق أن يتوقف!، وركض بعد أن رأى لغماً آخر على شكل حجر تم إخفاؤه على جانب الطريق الآخر، فحاول تعطيلَه؛ إلا إنه فشل هذه المرة، وأحس بالخطر، فحمله وذهب يركض مبتعداً عن الشبان المجتمعين حوله وهو يقول: لا تلحقوا بي، يمكن أن ينفجر في أي لحظة؟ وما هي إلا لحظات حتى تم تفجيرُه بجهاز تحكم عن بعد، فاستشهد أحمد وأُصبتُ واثنان آخران بجروح».

كانت هذه الحادثة مجرد البداية بالنسبة للزوجة المفجوعة، فبعد الولادة العسيرة للطفل اليتيم؛ والاختلاج الذي حدث له، بدأ الحديث عن ضرورة زواجها من شقيق زوجها الشهيد، إذ لابد من رعاية الطفل بشكل جيد: «كانت رغبة أهل زوجي بتربيته وعيشه معهم كونه الحفيد الأول في العائلة، فوافقتُ بعد محاولاتِ الإقناعِ الكثيرة، وتغلّبي على ذاكرتي وحياتي السابقة. لم نكن حينها قد ثبتنا زواجنا في المحكمة لأن عمري لم يكن ضمن السن القانوني للزواج في القانون السوري، وبدأت المأساة الثالثة بعد أنْ رفضت إدارةُ النفوس إخراجَ شهادة وفاة لزوجي الأول، وامتنع مختار القرية عن كتابة برقية تفيد بوفاة زوجي لتهديدهم له مسبقاً -على حد قوله- بعدم كتابة أي وثيقة بحق أي شهيد معارض لنظام الأسد، وكان لابد لي من تثبيت الزواج الأول، وتسجيل طفلي في السجل المدني، وإعطائي وثيقة وفاة الزوج الأول حتى أتمكن من تثبيت الزواج الثاني».

ومع اقتراب نهاية العام 2019 بات لدى نور طفل آخر من زوجها الثاني، وكل ما استطاعت فعله هو توثيق الزواج الأول من خلال رفعِ دعوى على زوجها، وإصدار حكم غيابي بكونه على قيد الحياة، ومن ثم رفع دعوى تفريق وخلعٍ غيابي بعد إرسال عدة مذكرات لأهله تفيد بوجوب قدومه إلى المحكمة، ولا زالت تنتظر حكم القاضي الشرعي بوجوب المخالعة، وقد دفعت أكثر من 250 ألف ليرة سورية حتى الآن من أجل تحصيل الأوراق الشخصية التي أصبحت كل المواد الضرورية مرتبطة بها من خلال البطاقة الذكية.

كان حجم الابتزاز كبيراً بحق نور عندما اكتشف القاضي أن الزوج المتوفى كان أحدُ الثوار، (والوضع نفسه يحصل في حالات المغيبين في سجون الأفرع الأمنية)، حيث طلب توكيل محامٍ ليشرف بنفسه على إجراءات المحكمة، وجلسات الاستجواب بعد طلب مبالغَ ماليةٍ كان صعباً على نور والعائلة تأمينها، حيث اشترطت المحكمة توكيل المحامي من موظفي المحكمة ليتم تقاسم المبلغ على الموظفين المعنيين بالأمر (كما قال لهم المحامي بالفم الملآن).

وفيما كان الحل توكيل محامٍ خاص، إلا أن طريق هذا الحل مليء بالعقبات الجاهزة لتعطيل سير المحكمة من قبل القاضي بتأجيل الدعوى لعدة أشهر (كما عرفت نور عندما حاولت مع عائلتها التغلب على هذا الابتزاز وفي النهاية رضخت)، حتى وصلت إلى مكان لم يعد بمقدر العائلة دفع المزيد من الأموال.

دفعت المرأة الثمن، والدور الآن على الأبناء، فمن يحميهم من بطش رجال «النظام»؟.

 

أمير القاسم

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع