من مذكّرات شاهد عيّان على قيامة “كوباني”

المشاهدات: 1962

جوان سوز 

كنتُ في “أنطاكيا” وأستعد للسفر إلى الجزائر آملاً باستمرار رحلتي من هناك إلى المغرب ومن ثم اسبانيا، لأتابع نحو بريطانيا. اتصل بي أبي صباحاً وقال لي، “داعش” الآن على مقربة كيلو مترين منّا ولهذا السبب لغيت فكرة السفر بشكل تام في تلك الأثناء وتوجّهت إلى “غازي عينتاب“.

 

قريتنا هي من القرى الكُرديّة القريبة من كري سبّي (تل أبيض) لكن عائلتي في الأصل هي من قرية قريبة من “كوباني” ولديهم هناك أقرباء من العائلة نفسها وكذلك بيوت وأراضي. طلبتُ منه أن ينتقل إلى تلك القريبة هو وأمي وأخوتي الصغار، بينما كان شقيقي الصغير قد وصل إلى “أورفا” منذ أيام وهو يبحث عن عمل هناك.

بالفعل اتصل بي مرة أخرى في عصر ذلك اليوم وأخبرني بوصوله إلى تلك القريّة مع أخوتي وأخوته وأعمامه وأولادهم. كان يوماً عصيباً، كلما سألته، أين “داعش” الآن، كان يقول لي أنهم يقتربون منّا؟. كان يقول لي ذلك إلى أن نزح كلّ أهالي تلك القرى القريبة من القريتين، مكان إقامة أهلي وقريتهم الّتي ينتمون إليها. اتصل بي في ذلك اليوم معظم أصدقائي الصحافيين وهم يسألونني عن آخر التطورات في “كوباني” وسط تخبّط تام في تصريحات مسؤولي الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب.

في صباح اليوم التالي، أعلنت تركيا رسمياً عن عبور “73 ألف مواطن كُردي سوري إلى الجانب التركي” لكن الرقم في الواقع كان أكبر بكثير. كنت أتواصل مع أبي في كلّ لحظة. طلبت منه مراراً أن يقف بين جموع “الكوبانيين” على الشريط الحدودي بين كوباني وتركيا خوفاً على حياته، لكنه لم يكن يخشى شيئاً وهو يشرب قهوته المرّة قرب البيت. أخيراً، اتصل بي وقال “دخلت الأراضي التركية”.

كنت في تلك اللحظة أستعد للذهاب إلى بلدة “سروج” الكُردية التركيّة القريبة من الحدود مع “كوباني”. كانت تلك الجملة “دخلت الأراضي التركيّة!” بمثابة الموت بالنسبة لي. كنت أكره نفسي لاجئاً طيلة السنوات الماضية متنقلاً بين الأردن وتركيا، كيف لي الآن أن أتقبّل أن أبي وكامل أفراد أسرتي لاجئون مثلي؟ كنت قبل ذلك، قد تواصلت مع شقيقي وأخبرته أن يبحث عن بيت لهم في “أورفا” كي يستقروا فيه. كنت أدرك تماماً أنهم سيعبرون الأسلاك أن لم تحصل معجزة تنقذهم من ذلك السواد.

اتصلت بشقيقي مرة أخرى وطلبت منه أن يمضي لاستقبال أبي وجده وجدته وبقية أفراد الأسرة. بالفعل تم ذلك ووصلت عائلتي وبعض أقربائي إلى البيت الّذي استأجره شقيقي لهم في “أورفا” قبل وصولي إليها مساءً. عندما وصلت إلى بلدة “سروج” ظهر ذلك اليوم، وجدت “الكوبانيين” في كلّ الشوارع، الجوامع، البيوت المهجورة، المحلّات التجارية، في الشارع الرئيسي الطويل المؤدي إلى البوابة الحدودية مع “كوباني”، كذلك على الشريط الحدودي بين البلدين “تركيا وسوريا”.

كانت المشاهد قاسية للغاية، لم تستطع كل عدسات الصحافيين من ترجمتها إلى صورة أو شريط مصوّر. عزة النفس الّتي يتمتع بها “الكوبانيين” لم تخبّ ظني. أحد المسنّين كاد أن يكسر “كاميرتي” يومها وهو يرفض أن يظهر أولاده بهذا الشكل المهين في شوارع تركيا. الصورة التي بقيت في بالي منذ ذلك اليوم، كانت لامرأة كُرديّة وأطفالها، وهم يأكلون “رغيف خبز” دون شيءٍ آخر يُذكر في فسحة كراج “سروج ـ أورفا” مساء ذلك اليوم، بينما كنت في طريقي لرؤية أهلي.

عندما وصلت إلي مكان إقامة أهلي في “أورفا”، وجدت جدتي تبكي، بينما أبي وجدي، كانا يدخنان ويتابعان الأخبار عبر الهاتف من خلال الاتصال بأصدقائهما في محيط “كوباني”، حاولت ألا أبكي، لكن قلبي كان يقطر دماً في تلك اللحظة، بقيت ما يقارب الأسبوع دون أكل، فقط كنت أدخن السجائر وأشرب القهوة. كان لي صديق صحافي كُردي، أثق به كثيراً. كنت أراقب “بوستاته” على الفايسبووك، عسى أن يكون هناك ما هو إيجابي من قرارات دولية بشأن كوباني. عرفت بعدها أن ذلك الصديق، تواصل يومها مع قيادات في حزب العمال الكُردستاني وطلب منهم أن يحمل السلاح ويحارب في كوباني إلى جانب المقاتلين الكُرد ـ رغم أنه لم يكن أوجلانياً يوماً ـ لكن كان قرار الحزب وجوابه إنهم بحاجته في “أوروبا” بسبب عمله مع الأوروبيين وعلاقاته الواسعة مع بعض زعماء العرب والرئيس مسعود البرزاني. كان صديقي هذا واثقاً إن كوباني لن تسقط مهما حصل، في الوقت الّذي كان ينتظر فيه بعض الكُرد أنفسهم سقوط كوباني نتيجة عدائهم السياسي لحزبَي الاتحاد الديمقراطي والعمال الكُردستاني!

بعيداً عن السياسة، كانت شقة أهلي، مكوّنة من 3 غرف، يقيم فيها نحو عشرة أشخاص. كنا أنا وابن خالي، محبطين يومها. لم يكن هناك ما يغطيهم في الليل. لم يكن هناك “مروحة” رغم حرارة الجو. ربّما كانت تلك الليلة الوحيدة لتي لم أشرب فيها القهوة من بين يدي أمي أثناء وجودي بالقرب منها. لم يكن هناك طعام كافٍ لهم أو أدوات للمطبخ. كان أهلي، قد تناولوا بعض المعلبات مع الخبز التركي. حتى البندورة، تناولوها من دون تقطيع بالسكاكين. تواصل معي يومها بعض الأصدقاء منهم صديقة كُرديّة وصديق سوري يعيشان في أوروبا، عرضا عليّ مساعدة أهلي لكنني رفضت ذلك. كان معي ما يكفي من المال لأسافر إلى بريطانيا، لكنني خصصت المبلغ كله لمساعدة عائلتي، بالإضافة لمبلغ صغير كان مع أبي. قضيتُ تلك الليلة في ذلك البيت دون نوم تقريباً.

في اليوم التالي، مضينا أنا وابن خالي لشراء كلّ ما يلزم البيت من صحون وسكاكين المطبخ إلى البراد والغسّالة ومختلف حاجيات البيت الجديد. اشتريت لهم كل ما هم بحاجته وحاولت مراراً ألا يشعروا أنهم لاجئون وانتقلوا فيما بعد إلى بيتٍ أوسع. لكن كلّ أموال هذا العالم وأدواته “الرخيصة” لن تحذف من ذاكرتي صور “الكوبانيين” في ذلك اليوم المشؤوم. كيف لي أن أنسى ملامح امرأة “كوبانيّة” كانت تصرخ في وجهي وهي ترفض مراراً أن تظهر على شاشات التلفزة ؟!

(من مذكّرات شاهد عيان على “قيامة كوباني” ـ كما يصفها الكاك “فاروق حجّي”)

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع