fbpx

«صابون الغار الحلبي» .. موسم النزوح إلى الشمال

المشاهدات: 513

 

 

تعتبر صناعة صابون الغار من أعرق الصناعات التي تشتهر بها مدينة حلب، ولا يكاد منزل سوري يخلو منه، إلا أن هذه الصناعة تعاني اليوم من مصاعب جمة، ومعاناة من أجل الصمود والإستمرار في ظل الأوضاع الراهنة.

يقول أبو محمد كيفو لموقع أنا إنسان: «هي مهنة أبي وجدي التي توارثاها أباً عن جد، كنا نملك معملاً في مدينة حلب، وعملت به طوال عشرين عاماً، ولنا به ذكريات وماضي عريق. صدّرنا منه أفخر أنواع الصابون إلى بلدان أجنبية وعربية، غير أن ذلك تلاشى مع تصاعد القتال في “حلب”، ليطال الضرر مغملي كما طال معامل كثيرة، حيث دمر جزء كبير منه بفعل القصف الذي تعرض له حي “الشيخ سعيد” جنوب شرق المدينة، وبات ركاماً». غير أن ذلك لم يثنه عن الاستمرار، وعاد من جديد لينشأ مصنع له في منطقة عفرين بعد أن خرج من مدينة “حلب” أواخر العام 2014.

ويضيف الرجل الذي أصيب بمقتل، وعاد للحياة من جديد: «عدت ووقفت على قدمي؛ رغم الخسائر التي منيت بها، وافتتحت مصنعاً بالقرب من مدينة عفرين، وبدأت من الصفر. قرابة خمس سنوات من العمل المستمر حتى وصل المعمل لما هو عليه اليوم، ولكن بالطبع ليس بقدرة معملي الذي كان في حلب. والذي شدني ليكون معملي في عفرين رغم الصعوبات وقتها؛ أن المواد الأولية لصناعة الصابون قريبة مني، وتكاليف النقل منخفضة، ما يخفف عني الكثير».

ومع تغير المعمل تغير الكثير بالنسبة لـ”كيفو”، وبالنسبة  لهذه الصناعة التي باتت تصارع للبقاء بعد الخسائر الهائلة التي تعرضت لها من تدمير عشرات المعامل في مدينة حلب، وما يتواجد من مصانع في أرياف حلب المحررة ليس وضعه أفضل حالاً؛ إذ يصارع الصناعيون للبقاء والنهوض من جديد، ولكن تبقى المصاعب والمعوقات أكبر بكثير من الواقع.

ورغم محالات “كيفو” حل بعض المصاعب، ومن ضمنها القرب من مكان المواد الأولية، كون عفرين تعتبر المصدر الأول للمواد الخام لهذه الصناعة، وتقدم ما يقارب 80 % من حاجة المعامل من زيت الزيتون ومشتقاته، والتي يقدر عددها قبل الحرب بحوالي مئتي معمل وورشة لصناعة الصابون، إلا أن «مشكلة أخرى تواجهني، وهي ارتفاع أسعار الزيت عن السابق، فبات تحصيل طن من الزيت؛ ومن الدرجة الثالثة لا يقل عن مليون ليرة، فيما كان سعر الطن قبل الحرب، وبنوعية جيدة، لا يزيد عن المائتي ألف ليرة فقط» كما يقول، وتبقى تكلفة الكيلو غرام الواحد مرتفعة على الصناعي والمستهلك معاً، فبعد أن كان سعر الكيلو قبل الحر بستين ليرة، بات سعره الآن يتجاوز 1300 ليرة.

أما لسوق التصريف حكاية أخرى مع الصناعي “أبو محمد” الذي يضطر لتصريف بضاعته في المناطق التي يسيطر عليها النظام داخل مدينة حلب، والذي بدوره منع التعامل مع التجار في الشمال الذي لا يسيطر عليه، وفرض ضريبة كبيرة على البضائع من هذه المناطق، ما يدفع الصناعيين للتعامل مع مهربين ليدخلوا البضاعة بأجور مضاعفة، خاصة وأن التصدير للخارج غير متاح بفعل العقوبات الاقتصادية على سوريا، وحتى التصدير نحو تركيا يحتاج لتراخيص.

«تعبنا كتير عليها، وتعبنا أكتر معها» يقول أبو محمد متحسراً على ما آلت إليه الحرفة، متسائلاً كيف سيكون حالها في قادم الأيام مع هجرة الكثير من أصحابها خارج البلد، وترك البعض لها يوماً بعد يوم، يقول بقلب محروق: «رح ضل متمسك فيها حتى سلمها لأولادي متلما استلمتها من والدي»، لكن الرجل الذي أنهكته الحرب يعلم أن تمسكه بهذه الصنعة التراثية والمحافظة عليها في هذه الظروف؛ باتت بمثابة القتال في ساحة معركة، فإما الانتصار، أو الموت.

 

أحمد الحمصي

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع