fbpx
أخبار

عن سوريات أبدعن في مواجهة الحرب

نور ابراهيم

لم تعتقد أم فراس يوما أنها ستضطر للعمل لتعيل أطفالها، فرغم امتلاكها موهبة مميزة في فنون التطريز لم تفكر يوما في أن القطع التي تحيكها بيديها ستكون مصدر رزقها.

إلا أن مشروعا صغيرا أسسه مجموعة من الشباب قبل أربعة أعوام لتشغيل السيدات النازحات في المهن اليدوية والتسويق لهن، كان حافزا لها لتكون واحدة من أهم المشاركات فيه لتباع منتجاتها في البازارات الخيرية.

أم فراس سيدة ثلاثينية من مدينة داريا غيرت الحرب السورية ملامح حياتها بنزوحها مع عائلتها إلى مدينة أخرى عام 2012 واختفاء زوجها عام 2013، لكنها قررت المضي قدما لتحقيق حياة كريمة لأطفالها الثلاثة، وبالفعل بدأت العمل حين كانت مقيمة في أحد مراكز الإيواء المؤقت قبل أربع سنوات لتستمر إلى الآن.

غير العمل الجديد الذي كان تحديا لعادات تربت عليها وكبرت معها شخصية أم فراس، وأضاف لها القوة والدعم المادي كي لا تحتاج أحدا، وأدركت أن عملها هو السبيل الوحيد للحفاظ على عائلتها الصغيرة.

إن كان عمل المرأة أمرا عاديا في بعض المناطق إلا أنه وفي مناطق أخرى يعد أمرا غير اعتيادي، لكن ظروف الحرب جعلت السوريات يتحملن مسؤوليات كبيرة لم تكن قبلا مسؤولياتهن، وخاصة أن كثيرات فقدن أزواجهن وأصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن الصغيرة، وإن كان البعض منهن قد استسلمن لواقعهن بانتظار المساعدات المقدمة من بعض الجهات العاملة في المجال الإنساني إلا أن كثيرات رفضن الاستسلام لواقعهن الجديد المرير.

لمنال قصة مشابهة لقصة أم فراس، فهي سيدة من داريا نزحت مع عائلتها عام 2012 الى منطقة الجديدة اختفى زوجها قبل خمس أعوام أيضا لتقطن في منزل صغير مع أهلها وأطفالها.

تعلمت منال التطريز وأنواعا أخرى من الفنون اليدوية منذ عامين تقريبا، هي التي لم تهتم يوما بمثل هذا النوع من الأعمال، لكنها اليوم تسعى لتعلم كل ما هو جديد لتصنع أجمل القطع، وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهها وخاصة في المنزل الصغير الذي تتشاركه ثلاث عائلات تقريبا، تحاول دوما أن تتخطى كل ذلك بصبرها وإرادتها، ليعطيها عملها القوة لتواجه ظروفها الصعبة وتتمكن من تأمين حاجيات أطفالها.

سؤال ابنها الدائم حول والده الذي لم يره يفطر قلبها على حد تعبيرها، لكنها تحاول جاهدة التماسك وتخطي الحزن الذي يحاول السيطرة عليها بمساعدة زميلاتها اللواتي أصبحن بمثابة أخواتها.

واجهت منال رفض عائلتها لعملها فعمل المرأة في محيطها الصغير أمر غير محبذ، في مجتمع يقسم المهام بين المرأة والرجل ويعتبر أن مهمة المرأة هي الاعتناء بمنزلها والعمل هو للرجال فقط، لكن غياب الرجال اعتقالهم فقدانهم وموتهم أيضا غير النظرية وجعل عمل النساء ممكنا للحفاظ على أسرهن وعدم الوقوع تحت وصاية أحد.

تتشارك قصة دلال في بعض تفاصيلها مع قصص أم فراس ومنال، فهي أيضا واحدة من سيدات داريا اللواتي فقدن أزواجهن بعد نزوحهم إلى دمشق.

 تبدع دلال في الكروشيه والسنارة الذين تعلمتهم في الجمعية الخيرية في داريا حين كانت هناك تعمل في هذا المجال وتبيع القطع التي تنتجها، لكن ظروف النزوح أجبرتها على التوقف عن العمل عدة سنوات لتعاود العمل ثانية منذ قرابة السنة ونصف تقول دلال: “يشعرني العمل بالرضا عن ذاتي ويخفف عني آلام الحياة والنزوح كنت أبيع بعض منتجاتي في مدينتي إلا أن للعمل الآن نكهة مختلفة”، تشاركها سميرة الرأي ذاته مضيفة بأن أجمل لحظاتها حين تنهي قطعة ما “عندما أمسك الخيط للبدء بإحدى القطع أتأمل كل تفصيل فيها كيف يتحول الخيط تدريجيا إلى قطعة جميلة، وكلما أنجزت مرحلة أفكر ماذا تحتاج ما الذي سأضيف عليها وما الذي سأغيره فيها” تتأمل سميرة كل قليل القطعة كأنها طفل من أطفالها الذين لم تحظ بهم.

“تعلقت بالإبرة والخيط وكل قطعة تأخذ جزءا من روحي لتنبض حياة، حين أنتهي من القطعة أتأملها ويغمرني شعور بالنشوة لا يوصف”.

تجربة من التجارب التي تستحق أن يعرفها الجميع، كيف تتحول المأساة إلى فن، كيف تجابه هؤلاء النسوة قسوة الحياة ومرارتها ليبدعن قطعا فريدة، فيها من الروح والحب ما يكفي لمجابهة الحرب.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع