fbpx

وقائع غير معلنة لمعركة الشريحي .. أسطورة السويداء الحية

سامر النجم أبو شبلي

في قرية الشريحي الواقعة بأقصى الريف الشرقي لمحافظة السويداء، طوق 83 داعشياً القرية فجر الأربعاء 25 تموز الجانب الشرقي (وهو التل الكبير الذي يقطنه غالبية أبناء القرية)، ومن الشرق والجنوب، على أمل أن تنهي مجموعات أخرى عملياتها في القرى المجاورة، وتلتحق من الجهة الجنوبية لإطباق الخناق على القرية من كل الجوانب.

كانت الساعة الرابعة فجراً عندما كان الرصاص الغادر يخرق اللحم الطري من الشبابيك والأسطح والأبواب التي اقتحمت بواسطة القنابل، فكانت النتيجة كارثية على السكان الآمنين الذين استوعبوا الصدمة خلال نصف ساعة بعد اكتشافهم الهجوم، فتحصنوا بداية الأمر بالمنازل، وحاولوا تحرير التل من خلال اتصالاتهم المكثفة مع بعضهم حتى لا يقع المزيد من الضحايا.

يقول الشيخ “فرزان صعب”: لقد حاصروا منزل أخي الشهيد “مهيب” لكي يكون مركز عملياتهم كونه أعلى نقطة في القرية، كانت أصوات الرصاص المتفجر يملأ السماء مخترقاً جدران المنزل الذي تحصن به أخي دون أن يستطيع فعل شيء، حاولت فك الحصار عنه، لكن مجموعة من الدواعش حاولت التسلل إلى منزلي المقابل، كنت على اتصال معه لكي لا يحاول الخروج من مكانه حتى لا يكون لقمة سهلة لهم، واتفقنا أن نصمد في مواقعنا حتى تأتي الفزعة.. فجأة رأيته يخرج من البيت محاولاً قتل مسلح مقابله، لكن الرصاص الغادر عاجله من الخلف .. كنت أراه يغرق في دمه دون أن أستطيع فعل شيء له.. لكنني تمكنت بالصبر من قتل المسلح المتربص بي، وتحاملت على نفسي ووجعي حتى لا يسيطرون على المنازل، فكثفت إطلاق الرصاص وتحصنت جيداً دون أن ينالوا مني حتى فرجت أخيراً ووصل شباب القرية الذين قضوا على المجموعة المهاجمة.. كانت جثثهم تملأ الشارع وذخيرتهم كبيرة مع الأحزمة الناسفة التي يرتدونها جميعاً. لقد حررنا التل منهم، وخرجنا من هناك باتجاه الشمال حيث تحصنوا في منزل الشهيد وليد صعب بعد أن قتلوا العائلة كلها.

في الحارة الغربية كان عدد من المسلحين الدواعش يأسرون عشرة نساء في منزل واحد، وانتظروا باقي المجموعات من أجل أسر المزيد من النساء والأطفال قبل الهروب من القرية.. شاهد الشيخ صلاح سلام عملية الأسر كلها، وتسلل نحو سطح منزله المقابل لمنزل الأسرى، وتحصن على السطح جيداً، واكتشف أن ثلاثة مسلحين فقط يحرسون المنزل بعد أن ذهب الباقي لإتمام مهمتهم.. انتظر الوقت المناسب، وعندما خرج آخر حارس من المنزل أرداه في وسط رأسه أمام الباب الخارجي، وعندما شعر الحارسين بشيء غريب حضروا لمعرفة مصير زميلهم، فكان الرصاص بانتظارهم ليتكوم الثلاثة معاً، ويتم تحرير النساء بكل حنكة.

يقول الشاب عناد سلام: كانت الخسائر كبيرة، فالمفاجأة التي أحدثها الدواعش كانت كبيرة، حيث استهدفوا الأبرياء وهم نيام، وحاولوا احتلال القرية بواسطة المفاجأة، وكانوا يحاولون احتلال البيوت العالية لكي يستطيعوا قنص أي تحرك على الأرض.

عندما اكتشفنا خططهم تحركنا بمجموعات وتخطيط منظم، وحاولنا عدم هدر الرصاص أو ارتكاب الأخطاء، كنا نعرف كل شبر من القرية، وهي ميزة لا يمتلكها الدواعش، وكانت النتائج باهرة، فخلال أقل من ساعتين تمكنا من القضاء على غالبية المهاجمين، والقضاء عليهم، وبعدها رحنا نمشط القرية بشكل دقيق، حيث تحصن 13 داعشي في منزل الشهيد وليد صعب، الذي حوصر من جميع الجهات، وعندما علم المجرمون بأنهم ميتين لا محالة فجروا أحزمتهم الناسفة بنفسهم وانتهى كل شيء قبل الظهر.

 الساعات القليلة التي هوجمت فيها القرية تركت كل لحظة فيها حكايات طويلة من البطولة والعز، فالنساء كن ملازمات البيوت ولكنهن لم يجلسن بانتظار ما سيأتي، تقول السيدة “خلود سلام”: لقد تدربنا على البندقية منذ زمن، وبسبب وقوع قريتنا في أقصى الريف الشرقي كان هجوم داعش أو العصابات المسلحة أمر ندركه جيداً، لقد تحصنا في المنازل جيداً، ويدنا على الزناد، والتي لا تعرف إطلاق النار أو ليس لديها سلاح كانت تتعلم على تعبأة المخازن بانتظار الرجال، وكانت أخريات تجهز الإسعافات الأولية للمصابين، والطعام والشراب للعائدين إلى مقرات محصنة معروفة سابقاً. كانت دقائق مليئة بالتركيز والحذر، والخوف أيضاً، وأذكر أن مسلحين اثنين حاولا الدخول من الجهة الجنوبية لكننا كنا لهما بالمرصاد، ولم تفلح محاولتهما فك الحصار عن باقي المسلحين، فلاقا نفس المصير.

تجاوز عدد قتلى الدواعش في الهجوم 78 قتيلاً، وغالبية شبان القرية الذين دافعوا ببسالة عن وجودهم خرجوا بذكرى من ذلك الهجوم، فالبنادق الحربية والقنابل تزين المضافات كونها غنائم حرب، ودليل على أن وحوش العصر مروا من هنا، وانتهوا هنا.   كان الشهيد ناجي متروك سلام يكتب أسطورة في الجهاد قبل أن تروي دماؤه تراب قريته، فبشهادة كل المقاتلين كان الفارس الذي طوق الدواعش في أكثر من مكان وحيداً، وكأن طيفه يتواجد في أكثر من مكان بوقت واحد.. ذلك الشاب الذي يملأ صوته الجميل ليالي الأمان في القرية عندما قتل عدداً من الدواعش لوحده، ولم يهتم للرصاص الذي نزل كالمطر من حوله، حيث أقسم ألا تمر عصابات الحقد والكراهية من هنا، فكان له ذلك، ونام قرير العين بعد أن أدى أمانته على أكمل وجه.

وصلت طلائع الفزعات بعد الساعة السابعة صباحاً، لكنهم لم يشتركوا إلا في حصار المنزل الوحيد الذي تحصن به الدواعش.

يؤكد الجميع أن عدداً من أفراد الجيش السوري وصلوا عند التاسعة صباحاً، وقد طلب منهم أهالي القرية عدم التحرك لأنهم سيطروا على كامل الأحياء فيها، ولا يوجد أي داعي لهم.

الشاب حمزة سلام بدأ بتصميم فكرة من ابتكاره لتأمين الحماية لقريته ضد أي هجوم مستقبلي قد تتعرض له، حيث ابتكر سلاحاً فعالاً يمكنه صد أي هجوم محتمل وبإصابات دقيقة، ويكون بنفس الوقت الحارس الأمين في حال عدم وجود حراسة مشددة حول القرية.

يقول المهندس “حمزة” عن هذا السلاح: هو قاعدة رصد وإطلاق للنيران، تعمل بالتحكم عن بعد، ومن خلالها يتم التحكم بأي رشاش يمكن أن يركب عليها مهما كان نوعه، وهي قاعدة رصد موصولة مع أنظمة إنذار تستطيع التقاط أية حركة في مجال رؤية المنظار الليلي الموصول بها وإعطاء إشارة إنذار للقيمين على المراقبة من خلال جهاز الكمبيوتر أو “اللابتوب” حيث يتصل جهاز الكمبيوتر بالقاعدة والرشاش سلكياً أو لاسلكياً من خلال كاميرا موصولة على منظار ليلي مضبوط بالتوازي مع الرشاش، فيما تؤمن القاعدة تحريك الرشاش في كل الاتجاهات والزوايا، بإصابات حتمية.

ودع الأهالي شهدائهم الذين بلغ عددهم

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع