fbpx
أخبار

ياسر هاشم … حكاية طبيب أنقذ حياة العشرات من السوريين

أنس الشامي   

لم يكن يعلم الطبيب ياسر هاشم من الغوطة الشرقية أن إنقاذه لأرواح المدنيين خلال الحملة العسكرية الأخيرة للنظام في المنطقة، ستلكون سبباً في بتر قدمه، وانقلاب حياته رأساً على عقب.

انتهى هاشم من مناوبته الليلية، وركب دراجته ذاهباً إلى المستشفى في البلدة المجاورة، ليجد نفسه الإنسان الوحيد فوق الأرض، فجميع الناس مختبئة في الأقبية من هول القصف، لكنه مضطر للمناوبة لأن المرضى والجرحى بحاجته.

للحظة، بدأ السواد يسيطر على المكان، وانتفضت الأرض من حوله، إنه صاروخ موجه من مقاتلة حربية روسية، رماه مسافة خمسة أمتار في الهواء.

نظر هاشم إلى قدميه، فوجد الدم يغطيهما، ولم يتمكن من الحركة، فظن أنه أصيب بشلل نصفي، وبعد دقائق، تمكن من الحركة، لكنه شعر أنه ميت لا محالة، فالنزيف لا يتوقف، وما من أحدٍ غيره في الشارع، عندها، أيقن في نفسه أن الموت هو ما ينتظره.

بدأ شريط ذكرياته يحوم في مخيلته، وكأنه يودعها، فلم يمض على هاشم عام ونصف بعد التحاقه بكلية الطب في دمشق، حتى بدأت الثورة السورية، وفي نهاية عام 2012 تم اعتقاله من قبل المخابرات الجوية، بينما هو ذاهبٌ لجامعته، وعانى أشد أنواع العذاب في معتقلات النظام لثلاثة أشهر، حيث تعرض لمختلف أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وبعد إطلاق سراحه، لم يستطع إكمال جامعته بسبب انتشار الحواجز العسكرية في محيط العاصمة دمشق، فانتقل لمداواة الجرحى في النقاط الطبية الميدانية، خلال فترة الحراك السلمي، والمظاهرات.

وبعد سيطرة الفصائل المعارضة على الغوطة الشرقية، بدأ عمله الطبي بشكل علني، كطبيب مختص بالعمليات الجراحية، وتدرب على أيدي أطباء مختصين في قسم العناية المشددة، واستمر بدوامه لفترات طويلة دون إجازة، بس قلة أعداد الكوادر الطبية في الغوطة.

وقبل إصابته بأيام، استهدف نظام الأسد كل المستشفيات التي كانت في الغوطة، ومن ضمنها المستشفى التي كان يعمل فيها ياسر، حيث تعرض لقصف من الطيران المروحي بأكثر من 15 برميل متفجر، ولحسن الحظ فهي مجهزة بغرف تحت الأرض، لكن أحد الصواريخ اقتحمت باطن الأرض، وتناثرت شظاياه في المكان، ما أدى لاستشهاد رجلين اثنين، وطفلين. وتزاحمت الذكريات في مخيلته، حتى غاب عن الوعي، ليجد نفسه بعد استيقاظه في غرفة العمليات، والأطباء حوله يبشروه بعودة النبض لقلبه، بعد توقفه عن العمل لمدة 20 دقيقة، لقد أبى قلبه أن يفارق الحياة، لكن قدمه خانته، فقد اضطر الأطباء لبترها رغماً عنهم. أيام قليلة مضت على إصابته، حتى تقدمت قوات النظام على بلدته، فاضطر للانتقال إلى أحد الأقبية الغير مجهزة طبياً برفقة زوجته، التي كانت سنده الوحيد في محنته.

بقي هاشم محاصراً مع زوجته، وأطفاله عدة أيام في قبو غير صالح للسكن، حتى تم الاتفاق على تهجير من لا يرغب بتسوية وضعه مع النظام إلى الشمال السوري، وبعد وصوله إلى إدلب، نُقل إلى أحد المستشفيات، وأجرى عشر عمليات جراحية، ثم تم نقله إلى مشفى تركي في أنقرة، ومن ثم إلى إسطنبول، باحثاً عمّن يدعمه ويساعده لتركيب قدم اصطناعية. قدّر الله لهاشم أن يفقد قدمه، لكن من المستحيل أن يفقد إصراره على تحقيق حلمه بإكمال دراسته الجامعية في مجال الطب، ليكون الأب الطموح والزوج المثالي.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع