fbpx
جانب من مشاركة أطفال سوريين في معرض للرسوم والفنون بمدينة إسطنبول بمناسبة اليوم العالمي للاجئين (عن الانترنت).

سوريا في الوجدان ولكن …

تتفق أغلب تعاريف مفهوم الانتماء للوطن “على أنه الانتساب والتمسك والتعلق بالوطن، والمحافظة على الارتباط به وجدانياً وفكرياً ومعنوياً وواقعياً”، وتأتي الهوية بعدها لتترجم روح الانتماء وتعزز مفهومه، فالهوية هي “مجوعة تلك الخصائص والسمات الثقافية والاجتماعية التي يتمتع بها أفراد الوطن أو المجتمع الواحد، والتي تميزهم عن باقي الشعوب والمجتمعات الأخرى”.

يتضح غموض وتعقيد هذا التعريف عن الانتماء والهوية، عندما حاولنا اسقاطه على عدد من الأطفال السورين اللاجئين في تركيا، من خلال حديثنا ولقائنا معهم، فقد تداخلت لدى هؤلاء الأطفال وتناقضت في عقولهم ووجدانهم وحتى في سلوكياتهم مفاهيم الانتماء للوطن الأم سوريا، وخصائص وسمات هويتهم السورية سواءً الشخصية أو الثقافية أو الاجتماعية، مع تلك التركية التي فرضت عليهم قسراً بسبب التهجير واللجوء، أو طواعية بسبب السعي للاندماج بشكل مقصود أو غير مقصود بالمجتمع المضيف.

 

سوريا في الوجدان ولكن..

هبة (11 سنة) قدمت إلى تركيا مع أهلها منذ أربعة سنوات، وهي طالبة في إحدى المدارس التركية، تقول: “أحب سوريا وأرغب في زيارتها يوماً ما”، ولكن كل ما تتذكره عن سوريا هو صورة مبهمة لبيتها في مدينة ادلب، وصديقة كانت لها في المدرسة غاب عنها اسمها، في حين أنها تمكنت من تقديم وصف دقيق لمدرستها ولحيها في تركيا.

أما فاطمة (10سنوات)، فقد حاولت جاهدة أن تتذكر أي تفصيل عن منزلها أو حيها في سوريا، ولكن دون جدوى، وتقول: “كل ما أتذكره عن سوريا هو اتخاذ والدي قرار الهروب من حلب بعد أن سقط الصاروخ بالقرب من منزلنا”، وعن حبها وانتمائها لسوريا تتحدث: “أعرف أن سوريا وطني الأصلي، وأنه يتوجب عليّ حبه والانتماء إليه كما تخبرني والدتي، ولكنني لا أرغب بالعودة إليه، لأنه صار مكان مدمر وتتساقط فيه الصواريخ بكثرة”، وكانت وفاطمة قد تركت مع أهلها مدينة حلب ولجأت إلى تركيا منذ أربعة سنوات.

أما ذاكرة أحمد (7 سنوات) فتكاد لا تختزن أية ذكرى عن سوريا التي غادرها عندما كان عمره سنتين، والذي قال: “سأحب سوريا وسأعشقها إذا عدت إليها، لأنها مكان رائع وجميل يتغنى بها والدي كثيراً ويصفها بالبلد الساحر”، ويتابع حديثه ببراءة الطفولة التي تفيض من عينيه: “أريد أن يحصل أهلي على الجنسية التركية، فقط كي يتوقف أصدقائي الأتراك عن تذكيرهم المستمر لي بأنني غريب، وبأنه يجب عليّ مغادرة تركيا”.

 

انسلاخ لا شعوري

سوريا التي ينتمي إليها (هبة وفاطمة وأحمد) هي ما يخبرهم ويحدثهم عنها أباءهم وأقربائهم، وهم يعرفون بعضاً من عادات وتقاليد موطنهم الأم، ويتحدثون لغتها العربية، ولكن “هبة” مثلاً لا تعرف كتابة الأرقام والأحرف العربية فهي قد نستها، حيث تخبرنا: “أتحدث في المنزل اللغة التركية مع شقيقاتي، وألجأ للحديث باللغة العربية فقط مع والدي”، ومثلها أحمد وشقيقته فاطمة يتقنان اللغة التركية أكثر من العربية، وكثيراً ما يبحثان عن معاني الكلمات التركية بالعربية وليس العكس كما ذكرا لنا.

ومن جهة ثانية تحدث الأطفال أنهم يتعلمون تاريخ الدولة التركية ويعرفون رموزها ومؤسسيها، وينشدون النشيد التركي في مدارسهم، وعند سؤالهم عن النشيد الوطني لسوريا اختلط عليهم الأمر وتاهوا بين إن كان هو “موطني أم حماة الديار”.

وعددت هبة الكثير من أسماء الولايات التركية، وحتى أنها وصفت سماتها المناخية وما يميز كل ولاية عن الأخرى، في حين أنه كان صعب عليها معرفة كل المدن والقرى السورية، وتقول: ” احفظ اسماء تلك المدن والقرى السورية التي يذكرها أهلي أمامي، ولا أعرف تفاصيل أكثر عنها”.

يقول أحمد: ” أجد طعم الشاورما التركية ألذ من السورية”، وتتفق معه هبة وفاطمة، وتستمع وتحفظ هبة الأغاني التركية وتفضلها أكثر من العربية، ومسلسلاتها المفضلة مسلسلات تركية أيضاً، وهي تحفظ أسماء الممثلين الأتراك، كما أن فاطمة كانت قادرة على ذكر أسماء عدد من الممثلين الأتراك بكل بساطة.

وتحبذ هبة وفاطمة ارتداء الحجاب التركي عندما تكبران، وتقول هبة: ” أن أختي الكبرى تلبس كما تلبس الفتيات التركيات، وعندما نمشي في الشارع يعاملنا الأتراك على أننا منهم، وهو أمر جيد، لأننا نكره الطريقة التي ينظر لنا بها بعض الأتراك عندما يعلمون أننا سوريين”.

أما “نازلي” فهو الاسم الذي ستطلقه هنادي على ابنتها حين تتزوج وتنجب، إن كانت في تركيا أو في سوريا، فأسم “نازلي” بالنسبة لها جميل وأحلى من كل الأسماء العربية التي ذكرناها لها كما تقول.

 

الهوية السورية في المهجر

تقول والدة أحمد وفاطمة: “دائماً أحدث أطفالي عن سوريا وعن تراثها، وعن عاداتها وتقاليد المجتمع السوري، وأحثهم على تعلم اللغة العربية كي لا تصبح طي النسيان، ولكن الأولوية هي لتعلم اللغة التركية والتعايش مع المجتمع التركي، فواقع اللجوء هو من فرض علينا هذا شئنا أم أبينا”

وتتابع: ” بصراحة لن أعود مع أطفالي إلى سوريا حتى لو استقرت فيها الأمور الأمنية والسياسية، فالأطفال اعتادوا الحياة هنا وأصبح لديهم أصدقائهم وتطلعاتهم وأحلامهم، وأخاف حقيقة إن عادوا إلى سوريا إن يؤثر ذلك على حالتهم النفسية أو يتدهور وضعهم الدراسي”.

من جهتها حدثتنا سهير، وهي مدرسة سورية في المدارس التركية، عن رد غريب لتلميذ سوري لديها في الصف الرابع، عندما سألت التلاميذ ذات مرة عن رغبتهم عمّا يحبون أن يكونوا مستقبلاً؟ فرد التلميذ بأنه يريد أن يلتحق بالجيش التركي ويستشهد في المعارك معه، وعند طلبها توضيح سبب رغبته تلك رغم أنه سوري، قال: “استشهد والدي مع الجيش السوري الحر وأنا سأكون مثله شهيد، ولكن مع الجيش التركي الذي أعيش على أرضه وأتعلم في مدارسه!”.

 

لا للهوية الملونة

من جهتها الفتاة الصغيرة رهف (اسم مستعار) ذات الأربعة عشر عاماً، لاجئة مع أهلها في تركيا منذ خمسة سنوات، لن تتنازل أبداً عن هويتها السورية، وستظل سورية الهوا والمنشأ مهما طال بعدها عن الوطن، هذا ما أكدته حين قالت: ” بطاقة الحماية  المؤقتة (الكيملك) التي كان لونها أبيض ثم صار لونها أصفر لا يمكنها أن تحل مكان هويتي السورية، فـ (الكيملك ) متغير متلون، والهوية السورية ثابتة ودائمة”، وتشير أنها تتعلم اللغة التركية  فقط لتكون قادرة على التعامل مع المجتمع المضيف ولتتمكن من الدراسة في مدارسه، وتؤمن بأنها يوماً سترجع إلى سوريا وإلى حيها وإلى بيت جدها في حمص الذي عاشت وتربت فيه.

 

ملاحظة لابد منها

إشكالية الانتماء والهوية لدى الأطفال أو اليافعين السوريين اللاجئين ستكون أكثر تعقيداً وضبابية في الدول الأوربية مقارنة مع تركيا، ففي تركيا لم يعامل السوريين معاملة اللاجئين كما في أوروبا، وحازوا على مساحة أوسع لتشكيل مجتمع سوري مصغر داخل المجتمع التركي، حيث لهم محلات لشراء ملابسهم الخاصة ولهم خبزهم المميز عن التركي مثلاً، وإلى جانب الدين الواحد يوجد تقاطعات وتداخلات بين المجتمع التركي والمجتمع السوري، من حيث العادات والتقاليد والجوانب الثقافية عموماً.

في حين أنه وفي الدول الأوربية يبدو الانسلاخ عن الوطن الأم سوريا واندثار الهوية السورية وكأنه أمر مفروض على السورين، وقد يعمل السوريين في الدول الأوربية على التشبث بضراوة بانتماءاتهم وهويتهم الأم، من خلال الحفاظ على الثقافة السورية أو التمسك ببعض العادات والتقاليد ونقلها لأبنائهم، ولكن ذلك لن يكون بالأمر السهل مطلقاً ولا يمكن تقدير جدواه على المدى البعيد، خاصة وأن المسألة السورية بما فيها قضية اللاجئين تطول وتمتد وتكاد تنعدم آفاق حلها.

 

وردة الياسين

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع