المساكنة في دمشق حرام … والصمت عن أسبابها حلال

المشاهدات: 4146

مالك أبو خير – رئيس التحرير 

يصرخ شاب عبر فيديو في صفحته الشخصية رفضاً لتقرير نُشِرَ على إحدى القنوات السورية ، يعلن فيه بعض الشبان والفتيات قبولهم لفكرة المساكنة  قبل الزواج، ولمن لا يعرف ما معنى المساكنة فهي علاقة زوجية بين فتاة وشاب دون عقد زواج مسجل في المحاكم السورية أو عقد ديني.

صرخ هذا الشاب عبر الفيديو وكادت حنجرته تخرج من فمه مع احمرار وجهه وعبارات ” نخوجية ” مثل : ” هل تقبل لاختك هذا؟ وكيف تسمح كرامتك بقبول هذا؟ … وغيرها من العبارات التي جلبت له عدداً لا بأس به من اللايكات وحجماً جيداً من التعليقات … صراخ كان جيداً للبقاء في إطار الشهرة وجلب الأضواء.

بعد مشاهدة فيديو هذا الشاب عادت بي الذاكرة عشرة سنين للوراء، عندما كنت أعمل في مكتب تلفزيون الأورينت في دمشق قبل أن تغلقه سلطات الأمن السورية، وتحديداً يوم كان الزميل فارس الذهبي يعدّ حلقة حول انتشار ظاهرة المساكنة في دمشق، وقد التقى فارس وقتها بعض الشبان والفتيات الذين يعيشون ظاهرة المساكنة ولم أعد أذكر إن تم عرض الحلقة أم لا.

لنحكي القصة من البداية … في دمشق القديمة ومنذ أكثر من عشرة سنوات كان يتم إيجار المنازل لشبان وفتيات يعيشون مع بعضهم البعض أغلبهم طلاب جامعيين من جميع المحافظات السورية وكان اغلبهم يعيش ضمن اطار المساكنة وفي اجواء تشبه اجواء الفكر الغربي من حيث التحرر الفكري وكان منهم موسيقين وكتاب ومنهم من اصبح ذو شأن في هذه الايام على صعد مختلفة، رغم ان غالبيتهم كانوا من بيئات محافظة جداً والبعض من بيئات متشددة دينياً ولاتقبل حتى مجرد النقاش طرح هذه الفكرة، وكانت سلطات الامن السورية تعرف ذلك ولم تتدخل لكون الامر لا يسبب اي قلق لها ولا يشكل خطراً عليها.

المساكنة في دمشق موضوع قديم، وبقي ضمن إطار سري رغم انه انتشر كثيراً، لكنه بدأ يظهر للعلن بعد الثورة السورية وموجات النزوح الضخمة نحو مدينة دمشق، وحينها تحول من امر اختياري الى اسلوب استغلال قاهر لكثير من النساء السوريات، وتحديداً عندما يتم استغلال الفقر والعوز لنساء وفتيات فقدن معيلهن من قبل رجال قايضت رغيف الخبز والقليل من المال مقابل عيش مشترك معها لفترة معينة، دون نسيان ظاهرة انتشار المخدارت بين جيل الشباب بشكل واسع وتحت أعين السلطات وما نتج عنها من انحلال اخلاقي وقصص عن فتيات ( دون سن 25) يعيشون المساكنة نتيجة غياب الاب أو مقتله وانعدام أي سلطة اجتماعية تردعها. دمشق اليوم الذي يغرق اهلها بالغلاء الفاحش وسوء الاوضاع الامنية وحالة الخوف من مصير مجهول، لم يعد باستطاعهم ان يقولوا نعم او لا لأي ظاهرة تنتشر حولهم مهما كان نوعها…  دمشق التي نزح إليها ملايين السوريين من مختلف المحافظات، والآلاف المقاتلين من جنسيات مختلفة وباتت على ابواب تغيير ديمغرافي، ووصل الغلاء الى درجة عجزت الكثير من الأسر التي مازال الاب حياً يرزق فيها عن تأمين ثمن رغيف الخبز، فما بالكم بعائلات بلا أب وام.

اصبحنا نتابع قصص مؤلمة مثل قصة فتاة في العشرين من عمرها قتل والدها واعتقل كل اخوتها الذكور وباتت بلا معيل ولا مأوى، تعمل في ( مرقص ليلي ) كنادلة وتعيش مساكنة مع شاب يدفع عنها إيجار المنزل ويخفف عنها مصاريف الحياة، وطبعا مثلها المئات من الفتيات لكن هؤلاء لم يسمع صوتهم ولا وجعهم طوال سبع سنين من الحرب السورية، أو قصة امراة تعيل خمسة اطفال تقبل يكون الجنس مقابل 5 او 6 الاف ليرة وبعض من المعلبات مقابل طعام أطفالها…. أو قصة فتاة تبلغ 23 من العمر تسكن منزل شاب ” مقتدر مادياً” تنظف منزله وترعى شؤونه وتلبي رغباته الجنسية مقابل 20 الف كل شهر مع طعامها وشرابها.

ماذكرته ليست حالات فردية، إنما هو واقع بات يتنشر كالنار في الهشيم لكن بصمت ودون أي ضجيج إعلامي، واقع يتم استغلال النساء بأبشع الطرق والاساليب ومن ابناء بلدهم، واقع اصبح صراخ الكثيرين عبر صفحاتهم الفيسبوكية مجرد “جعجعة عابرة ” وسط هذا الواقع المقرف ” المسكوت عنه إعلامياً”.

لن اتكلم عن الانحلال الاخلاقي، وتفكك الاسر السورية نتيجة الحرب واللجوء الداخلي داخل سورية وانتشار الطلاق والخيانة الزوجية والصمت عن امور كانت قبل الحرب تعتبر محرمات واليوم باتت امراً عادياً،  ومن يعيش في دمشق يعرف معنى كلامي، دمشق وغيرها من المحافظات التي دمرت نار الحرب نسيجها الاسري، وعملت على تدمير كل ما امكنها من قيم واخلاق وبات هناك خطاب اجتماعي آخر يظهر الى الساحة مختلف عن خطاب ما قبل الحرب منه القبول بالمساكنة بشكل علني.

في مناطق النظام يوجد الاستغلال الجنسي للمرأة ويوجد الانحلال الاخلاقي والاستغلال المؤلم للمرأة، وفي مناطق المعارضة يتم الاستغلال بشكل ابشع واقذر لكن باساليب مختلفة تحت اسم الدين او تحت مسميات اخرى بات الجميع يعرفها، دون نسيان استغلال النساء في مخيمات اللجوء وما رافقها من تفكك اسري نتج عنه قصص نخجل احياناً من ذكرها، وايضا لايمكن أن ننسى قصص مئات العائلات في دول اللجوء الاوربية وتفككها بشكل مخيف وكأننا امام سلسلة تقطع اغلب حلقاتها.

في البداية كان الاستغلال الذي دفع الكثير للمساكنة مقابل لقمة العيش، ومع مرور الوقت تحول الى ظاهرة عادية وتقبلها الكثيرين وتكلم البعض منهم في التقرير التلفزيوني الذي تم عرضه وحرك مشاعر الغضب عند الكثيرين.

من حق الشاب أن يغضب ويصرخ عبر صفحته الفيسبوكية على هكذا تقرير ومن حققنا جميعاً الصراخ والرفض للاستغلال الجنسي والانحلال وكل ما ذكرته، لكن من المنطقي أيضاً ليس الغضب عن قبول فكرة المساكنة وانما لابد من أن يبدأ الحديث بشكل علني أيضا عن واقع سافل قذر بات يدفع المجتمع لقبولها ويقوده نحو تغيير افكاره ومعتقداته، واقع كان الغلاء وهجرة الشباب الضخمة او موتهم في ساحات المعارك وانتشار المخدارت وغيرها من العوامل ( التي تنشأ باي مجتمع يقع بحرب طويلة كالحرب السورية ) ان تدفعه ليصبح مجتمعاً آخر ويقبل بأمور كان في الماضي من المحرمات.

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع