أنا “الإنسان”

المشاهدات: 1056

همبرفان كوسه- صحفي سوري                       

اليوم العالمي لحقوق الإنسان، هل هذا يعني بأننا يجب أن نشعر بإنسانيتنا ليوم واحد فقط؟ لا العفو، أقصد يوم الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان،  نعم مر وقت طويل على ذاك الإعلان، حقاً للمرة الأولى التي قرأتها شعرت بأني إنسان حقيقي، ولم أهتم كثيرا به، كنت أصارع الوقت، حين كنت في البكالوريا، حيث عرفنا التاريخ على مبادئ ولسون، ثم رأيت تمثال المرأة التي ترفع يدها كناية عن الحرية، يبدو بأن الحرية أصبحت تمثالا، تمثالا قابعا في صدورنا لا يشعر بشيء، ولا بالصدور التي قابلت الدبابات لأجله.

من يوقظ التمثال ذاك، من يدله على حياتنا الصغيرة، لسنا بعيدين، تفاصيل صغيرة يمكن أن تدلَ علينا؛ طلقات الرصاص، سجين يرمي نفسه من الطابق العلويَّ، امرأة تشنق نفسها في الزنزانة رقم 1، أبٌ اعتادت أذناه سماع موت أبنائه، مئة رجال لا يستطيعون النوم على مخدةٍ واحدة، طفلٌ يُقطع شريانه بالصدفة، حاجزٌ في نهاية الحيَّ وامرأةٌ تعلم كيف تُذل، مثقف بوظيفة لعق الأحذية، شاعرٌ يتغنى برتبة جنديَّ، حقيبةً صغيرة وكتاب “الهروب من الإنسانية” وأنا.

فيما بعد، لو فكّرت يوماً أن تمكث في هذه البلاد، كأن تسمح لنفسك أن تكون ألة لقتل “الإنسان”، أو طاحونة الدم؛ كأن تكون اللّحام أو ساعيَ البريد؛ ساعيُ البريد في هذه البلاد، على دراجةِ تكاد أن تنكسر عجلاتُها فوق رأسه، لا رسائل حب في صندوقه؛ ساعي البريد هنا يلقّبُ بـ سهم الموتى، لديه ما يكفي من السهام يدقُ فيه جداول كلّ هذه القلوب؛ ساعينا لا ينقل سوى برقيات التعزية، وأخبار الموت؛ سكان المدينة أو بعضُ قاطنيها، سهم الموتى نفسه، لا يخرجُ من حقيبته حياً.

أربعين عام وأكثر، يبحث عن أصواتٍ مدفونة في حنجرة منزله، لا يودّ أن يتنفس خيبة الرحيل تحت جدران الاسمنت، ينتظر صدى لصوت مدفع، وصوته، وحنجرة تغزو ما تبقى من اشلائه المهمشة، ويصدع انتمائه بجملة “أنا إنسان ماني حيوان”، هذا الصوت هو استشعار الدم من كلّ مكان.

“الإنسان” في هذه البلاد، يستيقظ في الصباح على كرسيٍ متكئ بقارورة دم، وفي الزاوية المجاورة الكثير من الحطب، وسرير صغير، وما طاب لكَ من الأسلحة البيضاء كما تُعرف. صحيح، نسيتُ أن اخبركم أمراً، نحن في هذه البلاد نستفيد من “الإنسان” كثيراً، نخرجه طفلاً من المشفى، ليغادر شاباً من منزله، ويركن على حافة شجرة في غرفةٍ صغيرة، يتم قطعه وبيع اعضائه خارج البلد “دون فيزا”، ويُرمى ما تبقى منه في حاوية القمامة، أكثر الأماكن الحكومية نظافةً لدينا؛ عندما تعثر الحكومة على الجثة، أو شظاياها، يزدادُ الموت سوءاً.

في هذا الإعلان تحديداً، سيستمر الفئة المتراكمة على تراب هذه المدن بالسؤال عن سهم الموتى، وعن قائمته في اليوم الفضيل؛ وكأنَ الحديث غير مجدي فعليه أن يصل بسرعة، وينقل الأخبار؛ أسماء القتلى، أشلاءهم، أيَّ شيء يدلّ على أنّ ثمّة شيء ما كان يتنفس على هذه الأرض “دون إذنٍ مسبق”.

أطفال هذه المدينة رجالها، محاطون بثكناتٍ عسكرية، ناقلات عملاقة للجنود، قذائف وحدائق، سياراتٌ مفخخة وألعاب الخفة، قاطعوا أجساد البشر ولعبةٌ صغيرة؛ أطفال هذه المدينة، لا يملكون سوى الكلمة الأولى من كلِ جملة، تلاها لأطفالِ حقيقيين، مثل الإنسان الحقيقيَّ.

الموت، لا شيء سواه يقود إلى الحياة؛ كلما فكرتَ أن تكون إنساناً هنا، تذكر أن ترى مشاهداً لبشر يقتلون بالرصاص، أخرون يحملونَ معهم نعوشاً من إسمنت، وصوتٌ من ريح، يتجه صوب فراغ الأرض ليقول لكم: ما بالكم تصارعون الله؛ تتعامون عن مصائركم؟، اسألوا حسين عيسو و رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم الحمادي ومثلهم، عشرات، ومئات، والاف، لا تكفي جداول الموت والقطبان أنْ تجمعهم.

الأمر في غاية البساطة، تخيلّ أن يغدو الحمار حاكماً لهذه البلاد، وأنْ يعارضه ثَّلَّة من قطيعه؛ هو التَّراخي في انتشال الجثث تحت أنقاضهم، وأنابيب تجرّ الدم لمخزن السلاح، وتشريك البشر في حكم الحرب؛ ليس ثمّة حلّ لأن يعيش إنسانٌ هنا، وأن يسير على نحوٍ من السجن والقتل والخطف والتنكيل ببقاياه؛ إذن، هذه الأرض مجردة من نظرية تطورها، ويعود لأصله فصيلة القردة العليا.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع