دلياد بوزان

اغتصابٌ لا ينتهي من أجسادنا

المشاهدات: 1252

 دليار بوزان

لم يعد الحزنُ حزناً ولم يعد الموتُ ذو مذاقٌ مر ،كان الأمسُ كاليوم وسيكون اليومُ كالغد ،كل الأيام تتشابه على الروزنامه ،لا جديد يدوُّن في التاريخ والجغرافيا …سوى الألم ،بقي فقط أن تتحول ألوان الطيف إلى الأبيض والأسود ويكتمل المشهد ،ألم يكتمل المشهد بعد …؟!! في الأفق لا زالت الفوضى تعاكس النفس المتعبة في الفراغ ،والتنهدات المستمرة تطيلُ الطريقَ دون سواه ..لا أملَ يداعبُ جبين الليل والأوجاع ،بقي لهذا العمر أن يمضي في فناء ،آنَ لهذه السنين القصيرة أن تنتهي ،لتبقى القصص والحكايات وحدها ،تسردُ المأساة من رحم الأيام ….

بعد كلِّ هذا العطب ،لا زالت الطرق مسدودة أمام الحل ،والحلقات المفقودة في ازديادٍ وتكاثر ، باتت الملامح والوجوه البشوشة تهرمُ وتشحبُ شيئاً فشيئاً ،فاليوم نحنُ نتحدث عن سادس أعوام الحرب التي قتلت كل ما هو جميل ،وأبقت على الخراب والدمار وجعلت من الموت وجبةً يومية يستحيلُ من أن لا تكون على المائدة ،كانَ على السوريين أن يفكروا ملياً في فهم الواقع والمعطيات منذ اليوم الأول من عمر الحرب ،وأن يدركوا حجم الخسارة وثمن الثأر ،كان يجب ألا نكون على ما نحن عليه الآن ،يـــــا”ليتها لم تكن” كما قالها “منذر مصري” ،لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وبما لا يشتهيه اللاجئ أيضاً ،الذي وضعَ حياته في حقيبةٍ صغيرة سيرميها في البحر لاحقاً ،لينقذِ جسده المنهك والذي كُتب له الوصية الأخيرة في أن يكون جثةٌ مرمية على شواطئ ازمير واليونان …

طوبى …لمن لم يفقد وطنه ،ويستنشق هواءها دون أن يحرقَ صدره رائحة البارود والفوسفور ،هنيئاً لِمن ينام ولا يعكرُ صفوه أصوات القصف والرصاص “كوابيس الشتاء المخيفة” كنا وكان القدر ،قبلةً لم تكتمل من شفاه حبيبة ،رثاءُ أخٍ لأخاه على السفينة ،رحلةُ مشيٍ على الأقدام في غابات هنغاريا ،تذكرة قطارٍ سريع في محطة ميونخ ،خيمةُ ذات الطبعة الزرقاء في الأردن ،مئة ليرة تركية من البنك ،شتمٌ وكميرا خفية في لبنان ،انتظار ممل في كٌردستان العراق ،قلقٌ وعواطف من مجلس الأمن ،قوانين تخترق في محكمة العدل بلاهاي ،بطانياتٌ وعلب فول مكدسة من الهلال الأحمر الدولي ،تضامنٌ عابرٌ للقارات كما الصواريخ ،وسائل إعلامٍ كثيرة ،مقالاتٌ وتقاريرٌ وقصصٌ إنسانية ،كلمة الوفد الممثل للشعب ،انقطاع البث ومجريات الحديث ،غموضٌ لا زال يلفُ القضية ،وأخيراً ليس آخراً…اغتصابٌ لا ينتهي من أجسادنا النحيلة …!

أرادوا لنا حياةً بحجم فوهات مدافعهم ،باعونا الشعارات والأوهام ،أما نحنُ فأضللنا السبيل والطرقات ،أردنا لأنفسنا بعض الراحة ،لكن لا جدوى للخلاص أمام الألم الذي يعتصر كل شيء ،فالفراغ الذي حلَّ بالبيت لا زال شاغراً ،ينتظرُ من قائد الكتيبةِ الفرمان ،أي فرمانٍ سيأتي أخيراً..؟ بعد كلُّ هذه الخيبات والنكسات …؟؟!!

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع