fbpx

الحرب في غرفة الجلوس

تسع سنوات والحرب في سورية تأكل البلد، تأكله على كل الجبهات، حيث صار اللعب على المكشوف، فالثورة، أو ما صار يسمى بالمرحلة السلمية للثورة السورية قد ماتت بعمر الستة أشهر الأولى من عمرها.

إذ أن سورية صارت مناطق تقسم إلى نوعين: النوع الأول خرج عن سيطرة النظام ودخل القسم الأكبر منه تحت سيطرة الفصائل الإسلامية التي حكمت حياة الناس بأحكام ما يسمونه “الشرعية”. وهنا فقد كان التذمر في أوساط السوريين كبيراً، إذ أن التشدد والمبالغة في تطبيق الشريعة كانا عنوان الحكم هناك، إضافة إلى الاقتتال الداخلي بين هذه الفصائل وملاحقة الناشطين المدنيين اعتقالا وقتلا، والفساد الذي انعكس بمعاناة يومية تزيد حياة الناس صعوبة.

والنوع الثاني يتمثل في المناطق التي سيطر عليها النظام، والتي يعيش فيها السوريون تحت خط الفقر وعلى خطوط الانتظار، انتظار الغاز والمازوت والخبز والكهرباء والإنترنت وكل شيء، إذ أن كل شيء في حياتهم أصبح انتظاراً. وأهم ما ينتظرونه هو هاتف يرن أو بوق سيارة إسعاف عسكرية يحمل نعشاً أو أكثر لشبابهم المنتشرين في جبهات البلاد المختلفة.

إضافة إلى ذلك، فالسلطة تمارس حزاماً أمنياً في هذه المناطق، فأية حركة معارضة تشوّش على حالة الولاء المطلق للسلطة، الذي تبدو عليه هذه المناطق، تقمع بشكل حازم. ما يجب الانتباه إليه أيضا هو حالة الفساد المستشري كالجدري في الحياة العامة لهؤلاء الأشخاص الذين لا يستطيعون اجتياز حدود البلاد إلى أية دولة في العالم، فالحصول على تأشيرة دخول إلى أيّ بلد كان صار أمراً يقترب من درجة الحلم البعيد تماماً عن الواقع. على أنه كانت تظهر في بعض المناطق ما يمكن أن نسميه بحركات احتجاجية على صعوبة الحياة المعيشية، أو التجنيد العسكري الطويل الأمد للشبان، كما حصل نهاية العام الماضي 2019 وبداية هذا العام 2020 في منطقة السويداء في جنوب البلاد، حيث قامت حركة احتجاج على الغلاء الفاحش وتدهور قيمة الليرة السورية أسمت نفسها “بدنا نعيش”. لكن هذه الحركات لم تتجاوز حدود مطالبها، إضافة إلى عجزها لأسباب كثيرة عن التحوّل إلى حركات شعبية واسعة.

من هنا يأتي السؤال المهم حول ماهية المعارضة الداخلية في تلك المناطق الكبيرة من سورية، والتي تعتبر منذ تسع سنوات خزاناً استراتيجيا يمد النظام بالدعم الشعبي والسياسي وبعدد كبير من الشباب المقاتل سواء في صفوف الجيش النظامي، أو المجموعات المقاتلة الرديفة للجيش. فقد بات من كلاسيكيات ما يسمى “أدبيات الثورة السورية” التي قامت في 2011، أن الساحل السوري وبعض المناطق الداخلية في ريفي حمص وحماة، أي مناطق تواجد العلويين في سورية، هي مناطق مؤيدة للنظام يتم التعاطي معها سياسيا واجتماعيا وإعلاميا على هذا الأساس. وسرعان ما تميز مؤيدو التورة من العلويين، وصار لبعضهم حضور إعلامي مكثف على الفضائيات، بل إن بعضهم حاز على مواقع قيادية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. مع ذلك، لا يزال جمهور المعارضة ينظر إلى المعارض العلوي كاستثناء لقاعدة الولاء للنظام.

 

المعارضة والولاء والتاريخ القريب

نظام البعث في سورية، الذي بدأ حكمه عام 1963، مروراً باستلام الرئيس حافظ الأسد الحكم في نوفمبر 1970 ولثلاثين عاماً تالية، ومن بعده ابنه الرئيس الحالي بشار الأسد منذ صيف العام 2000، هو النظام الحاكم في سورية حتى الآن. إذا استثنينا المعارضة الإسلامية المتمثلة بالإخوان المسلمين وحزبي التوحيد والتحرير الإسلاميين وغيرهما، والتي ينتمي أعضاءها حصراً للطائفة السنية السورية، فإن المعارضة السورية لنظام البعث عبر التاريخ السوري تتمثل بشكل رئيسي في اليسار السوري بتشكيلاته المتعددة، والتي ينتمي قسم كبير منه إلى الطائفة العلوية، وربما يكون هذا القسم هو الأغلبية بين المعارضين اليساريين. ما نريد قوله من هذا التقديم هو أن المعارضة السياسية للنظام كانت موجودة بل ومُحتضنة في أوساط الأقليات السورية، وخصوصا الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رأس النظام ومعظم القيادات الأمنية والعسكرية في البلد. فعائلات وأسر وأقرباء هؤلاء المعارضين الذين اكتسب معظمهم صفة المعتقل السياسي، كانوا يتحملون أعباء تتبع أخبار أبناءهم المعتقلين، وهو أمر صعب في سورية على الجميع، وتكاليف إقامتهم في السجون ولمدة طويلة من الزمن تتعدى العشر سنوات في كثير من الأحيان. وحتى عند خروج المعتقل وعودته إلى أهله وقريته، لم يكن يجد سوى الترحيب والتهاني والتعاطف من معظم الناس المحيطين به وبأهله. ولم نسمع عن حالة واحدة من النبذ أو المقاطعة الاجتماعية لمعارض علوي خرج من المعتقل وعاقبه الناس لمعارضته للنظام.

وحتى في عام 2011 كان العلويون – ككل السوريين – منفعلين ومتفاعلين مع كل ما يحصل في البلد من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. فالعلويون كانوا متواجدين في الجغرافية السورية كاملة. هنا قد يقول قائل: أليس هذا الأمر طبيعيا؟ أليس للمواطن حرية العمل والتنقل والسكن في بلده؟ جوابنا: بالطبع، هذا هو الصحيح والطبيعي، فالمواطن يعمل ويسكن حيث يشاء في بلده تحت مظلة القانون. لكن في سورية وبالنسبة للسوريين فالأمر لم يكن بهذه الطوباوية والبساطة. ففي ظل تحالف قوي وقديم ومتوارث بين سلطة حاكمة ورأس مال متوحش ومتخلف، تحالف بنى علاقاته على الفساد المقنن والنهب الممنهج لثروات البلد، لم يبق للمواطنين العاديين سوى الهوامش في العمل والسكن والحياة. ولو كان الأمر غير ذلك، لما وصلت سورية إلى ما وصلت إليه الآن.

من هنا صار الناس يتجمعون في السكن ويتكاتفون في الحياة العامة وفق قوانين الجماعة المتجانسة بالمنشأ والدين والانتماء المناطقي والطائفي. فسكن الوافدون إلى العاصمة دمشق على سبيل المثال في تجمعات وعشوائيات تناقلوا أماكنها بينهم. فكنت ترى أبناء المنطقة الشرقية في الدحاديل وبيادر نادر، والأكراد في جبل الرز ووادي المشاريع، وأبناء الجنوب في الدويلعة والتضامن، وأبناء الساحل في جبل الـ 86 في المزة وعش الورور في برزة. كل هذه الأحياء تتنافس في عشوائية التنظيم والخدمات، وارتفاع الكثافة السكانية. هذا التوصيف ينطبق بشكل أو بآخر على الحال في المدن الكبرى الأخرى، كحلب وحمص وحماة.

عندما بدأ الحراك في عام 2011 في عموم الساحة السورية بتتابع زمني متقارب، انضم إليه الكثير من السوريين. استمر الحال عليه إلى أن اخططف الإسلاميون الثورة وبدأ الناس يسمعون في الشارع الشعارات الطائفية المحضة. هنا تراجع الكثير من أبناء الأقليات المسيحية والعلوية وغيرهم عن مواكبة مسار الثورة إلى أن يتبينوا مآل هذا الحراك، وبقيت المسافة بين هؤلاء والثورة – حسبما نراه – شخصية بالدرجة الأولى، وتتبع لإمكانية الشخص الذاتية على القراءة العميقة أو السطحية للحدث اليومي. وفي بيوت العلويين، خاصة، احتدم النقاش حول الموقف من الثورة، ووقع الخلاف بين الأخوة أو الأب والأبناء في البيت الواحد. وصار الحديث مكشوفاً حول المصير والفناء أو البقاء، مع التنويه إلى الآلة الإعلامية الضخمة التي تعزز الحالة الطائفية، والتي انضم إليها متطوعاً كل من يرى أن له مصلحة شخصية في بقاء الحال في البلد على ما هو عليه، وأن استمرار النظام في سورية هو استمرار وحماية لمصالحه. طبعا هذا النقاش كان يدور في عموم المدن السورية وبين جميع السوريين. لكن وبالنسبة للعلويين فقد كان الأمر مختلف قليلا، فالنقاش أشد وأعلى حدة لأن الإحساس بالخطر المحدق على الطائفة ككيان اختلط مع الخطر القادم من الاصوات الجهادية العالية التي تهدد بالقتل والإبادة.

أنا لست قاتله، أنا لست مع قاتله

مع ازدياد الحوادث الطائفية، واتخاذ الصراع المسلح صيغة المواجهة بين مشروع الدولة (العلمانية) الحامية للأقليات والتسامح الديني – حسب رواية النظام، ودولة الخلافة السلفية التي تحكم بالسيف والتراث، صار كل ما حول السوريين يؤكد طبيعة الصراع هذه. فإعلام النظام في هذا المقام كان متطابقا في مضمونه مع إعلام جزء كبير من المعارضة على أقل تقدير. هذا أدى إلى تعزيز هذه الصيغة في المواجهة مع ما رافق ذلك من اتساع في جبهة المقاتلين من أبناء الفقراء، الذين وجدوا فرصة عمل في المجموعات المسلحة المختلفة ونظروا إلى ذلك على أنه دفاع شرعي عن وجودهم.

وبالمقابل فقد اتسعت جبهة المواجهة الداخلية بين أبناء الطائفة المؤيدين للنظام، والمعارضين المتحمسين للثورة والتغيير. ولعل أكثر جبهات المواجهة ثباتاً واستمراراً وغموضاً هي هذه المواجهة بين المعارض العلوي على اختلاف درجة معارضته – من المعترض المسالم إلى المعارض صاحب الموقف الصلب والذي يعتبر نفسه في تناقض مع النظام- وبين البيئة الحاضنة لصمود النظام ومدّه بالدعم المعنوي والعنصر البشري لإنجاز خططه القتالية. ولعل أغرب ما يميز هذه المواجهة، هي أنها قد قسمت العائلات. فكثيرا ما تسمع النقاش المحتدم في البيت الواحد على مائدة الغداء، أو في السهرة المنزلية، حيث اعتاد السوريون على متابعة نشرات الأخبار وإبداء آرائهم في الأحداث.

ولعل الانكسار الذي يعيشه المعارض في البيئة المؤيدة يكون في أقسى صوره عندما يرى نعش أحد أقربائه أو جاره رفيق عمره قد أحضرته سيارة إسعاف عسكرية ملفوفا بعلم البلاد، الذي صار واحداً من علمين يتنازعان التمثيل والولاء وأحلام البلاد وكل السوريين. وعندما يدخل الشخص المعروف في الحي أو القرية بأنه معارض إلى بيت العزاء لشهيد من الجيش، ترى العيون تشخص نحوه، والأحاديث الثنائية بين المعزين تصمت، حتى أن هذا الشخص يكاد يود الوقوف وسط سرادق العزاء والصراخ: “أنا لست قاتله، ولست مع قاتله”.

هذا الانقسام في الطائفة العلوية هو حالة خاصة بالأقليات السورية المحسوبة على النظام، وهو ما لم تلحظه لا قوى المعارضة ولا مراكز الأبحاث العالمية ولا المجتمع الدولي. ما يضاف إلى ذلك، ما نسمعه من شكوى وتذمّر المعارضين العلويين المنخرطين بشكل عملي في نشاط المعارضة من معاملتهم على أنهم معارضين من الدرجة الثانية. وفي معرض هذه الشكوى تسمع بعض الكلمات التي تصف المعارضين العلويين والخارجة عن قواميس السياسة أو الثورات مثل: ديكور، زينة أو تكملة عدد.

على الجانب الآخر فإن بعض المعارضين العلويين اليساريين التقليديين وقفوا من ثورة 2011 موقفاً ملفتاً للنظر. فبخلاف تاريخهم القريب، حيث دفعت هذه الشخصيات سنوات طويلة من عمرها في الاعتقال أو التخفي هرباً من الاعتقال بسبب معارضة النظام، فإن حديث هؤلاء المعارضين القدماء يصب من حيث النتيجة في نفس سياق تفسير النظام للأحداث. هذا ما أمكن استنتاجه بعد الاستماع لمدة ساعة كاملة لحديث قيادي في المعارضة اليسارية تم اعتقاله لمدة عشرين عاماً في سجون النظام. من هنا يظهر بوضوح الفصام الذي يعيشه بعض المعارضين العلويين. عدا عن ذلك فإن الصمت الذي التزم به بعض المعارضين القدامى جعل عبارة “ارتدّ لعلويته” دارجة في أحاديث المعارضين اليومية، عندما يتحدثون عن رفيق من رفاقهم القدامى.

لسنا هنا في صدد التحليل النفسي لظاهرة المعارض المنقلب على تاريخه الشخصي والعام، ولسنا هنا في صدد التقييم وإطلاق الأحكام، لكننا نريد أن نلفت الانتباه إلى ظروف موضوعية قد تكون غائبة عن بال بعضنا، وهي البحث في حقيقة هذا الشخص الذي بلغ من عمره الخمسين أو الستين أو أكثر من العمر، ومر على خروجه من المعتقل فترة طويلة، ويعيش حياةً أقرب إلى الطبيعية، بهدف إعطاء تقييم عام لفهم الشخص المؤدلج لمعنى الثورة.

إنني أرفض بشكل قطعي ما قد يفهمه البعض أن في كلامي دفاع عن هؤلاء، أو تبرير لمواقفهم، لكن الأمر الذي علينا الانتباه إليه أن هؤلاء كأي إنسان يعيش في بيئة ذات مزاج واحد، لابد أنه سيتفاعل معها ليصبح، مع مرور الوقت، جزءاً منها. وببساطة يمكن القول بأن ليس كل معارض أو معتقل سياسي سابق هو بالضرورة محلل جيد للأحداث أو قارئ يجيد قراءة الواقع ووضع الأمور في سياقها الصحيح. وعلينا هنا ألّا نغض البصر عن القرار القطعي غير المعلن، والذي قدّم النظام عشرات الأمثلة على أنه قرار حقيقي، وهو بأن ثمن المعارضة في الأوساط المحسوبة على النظام أعلى بكثير من ثمنها بين باقي الأوساط، فهؤلاء هم أسلحة النظام التي يقاتل بها، وهل نتوقع أن يتهاون مقاتل مع من يحاول نزع أسلحته منه؟

فإذا أراد العلوي السير في طريق المعارضة إلى آخره فعليه ترك حياته وبيته وأهله، والالتحاق بمعارضة ليس مقتنعاً بها أصلاً، الحل الآخر هو البقاء والصمت، أو أن يموت مجللاً بلقب خائن الوطن والطائفة. هنا يجب القول بأن ليس كل من يقاتل مع النظام شبيح أو يقاتل لأجل مال وسلطة، فهناك بالفعل من يقاتل بعقيدة حقيقية هدفها الدفاع عن الوطن من وجهة نظره. وبالطبع لا مجال مع هؤلاء للنقاش حول فصل الوطن عن الطائفة أو عن البعث أوعن السيد الرئيس، كلهم واحد لا يتجزأ. فهذا الشخص يركب دراجته الهوائية بعد أن يثبت عليها كيس الخبز الشفاف الملفوف فيه رغيفين من الزعتر واللبنة، ويثبت البارودة الروسيّة على صدره وينطلق باتجاه واجبه. وإن سألتَ هذا المقاتل لم لا يستفيد مع أداء وجبه من التعفيش أو الأتاوات أو غيرها من الوسائل الشائعة والسهلة لجني المال؟ سيجيبك: الحلال بيّن والحرام بيّن، ثم سيتابع طريقه.

طبعاً المعارضة في جزء منها، ترى هذا الكلام غير مهم، وقد يكون بالفعل غير مهم لأن النتائج التي وصل إليها حال سورية والسوريين عموماً يبدو أنها لا تهم سوى أصحابها. ولكن إن قارنا هذا الموقف بسيل الأموال المهدورة في فنادق الغرب في سبيل ترتيب لقاءات يسميها الجميع: “لقاءات سورية – سورية”، قد فشل معظمها في لم شمل السوريين على رؤية واحدة، فإن موقف كهذا يستحق الوقوف عنده. على أية حال فالرؤية الواحدة لدى السوريين بحاجة لهدوء، ولا هدوء في حياة السوريين طالما الرصاص يلعلع، والطيران يقصف، والنازحين أكثر من المقيمين.

ختاماً، فإنه يجب القول بأن مشهد المعارضة العلوية لا يمكن أن يكتمل دون جمع إخوة الأمس بالطائفة وأعداء اليوم بالموقف السياسي من العلويين المعارضين مع علويي الداخل. هدف هذا الجمع يجب أن يكون التبادل الحقيقي للآراء حول حال الوطن – الطائفة – البعث بعد تسع سنوات لبست فيها النساء السواد، وامتلأت جدران القرى بصور الراحلين. هذا الحوار يمكن أن يكون مساهمة فعالة في إنهاء حالة الحرب في العائلة الواحدة من جهة، ونقطة البدء في عملية سلم اجتماعي جامعة من جهة أخرى. طالما أن هذا اللقاء لم يتم، ستبقى اللوحة ناقصة، وسيظل المشهد عديم الاكتمال.

 

المحامي إبراهيم شاهين

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع