الرأس أولاً

المشاهدات: 610

عبد الله الطويل

يعيش الإنسان السوري تناقضات المرحلة الحالية من عمر الحرب في سوريا واقفاً على أحد أطراف الصراع طوعاً أو مجبراً، مضطراً على الخوض في أتون الحياة اليومية بين ألفة المغترب أو الاغتراب في الوطن، وبين سندان المعارضة متشرذمة الانتماء ومطرقة النظام الذي يبدو كرجل خرف يعاني تفاقم الزهايمر السياسي يوماً تلو يوم، وبين اقتلاع الرؤوس فيزيائياً على يد التنظيمات السوداء ومغالات الجهات الرسمية في استخدام لفظة المجموعات الإرهابية المسلحة كناية عن كل ما يتحرك على الأرض السورية خارج سيطرتها، يقف الإنسان السوري مجدداً أمام معضلة الانتماء الى جغرافية القهر اليومي ويعاند سيل الأنباء القادمة من الآستانات والجنائف المتتابعة التي لا تبشر إلا بطول سلامة المفاوضين على تعدد مشاربهم، بينما يدفع مئات الآلاف من المدنيين حيواتهم ثمناً لإمكانية احتمال تعديل أو شطب بعض الأسطر المعدة مسبقاً من قبل الأطراف الراعية للمفاوضات ،أتسأل مراقباً عن قيمة الوقت المهدور في الجلوس على الكراسي والقيام عنها وعن إشكالات اللغة وتعابيرها المجازية حيث لم تسعف الفصاحة هؤلاء السادة لكي ينهوا آلام المذبوحين يومياً في أنحاء البلاد من دير الزور إلى درعا مروراً بحلب وريف دمشق وحمص ,ما هذا الاختبار الصعب الذي يضعنا امامه التاريخ حتى تتحول أحلامنا وآمالنا التي انطلقت مع أول صرخات الثورة عام 2011 إلى كابوس أسود لا ندري متى ستكون نهايته

بينما تتصارع الأيدولوجيا المتطرفة مع الفكر الشمولي وتبهت ألوان العلمين شيئاً فشيئاً أمام سواد أو اصفرار الغايات الأخرى ويظن المتحاربون على الطرفين أنهم يتحصنون خلف جدران منيعة من المساندة الخارجية، تثبت الدول الداعمة استئثارها بمصالحها الخاصة وابتياعها للبنادق الأكثر التزاماً بتوجيهاتها الميدانية ,فأبحث في أعماقي عن بقايا انتمائي إلى هذه البلد المدعوة سوريا وأقف أمام نفسي في لحظة مكاشفة مراجعاً مجريات الأمور منذ البداية حتى اليوم ،لن أكون إنساناً عاقلاً إن لم أشعر بأني قد تعرضت للخداع والمتاجرة منذ أول لحظة ولم تكن أمنياتي ومطالبي المحقة إلا دخاناً يتستر به الغرباء ليبدأوا العبث بأرض طفولتي وحياتي ،فأقف مكتئباً على الأطلال محاولاً التقاط الابرة التي سأرقع بها ثوب الوطنية من بين ركام الأبنية المدمرة والعظام المطحونة ،يؤسفني الاعتراف بأنها قد انصهرت لتذوب في مفاصل حياتنا اليومية مسببة للجميع بلا استثناء داء النقرس والأرق، لتعود إلى رؤوسنا صور الأيام الأولى للحراك وتتداعى إلى أسماعنا هتافات الموتى الأوائل: الشعب السوري واحد، يالها من عبارة تشق السمع من شدة عفويتها وكمالها

فبينما تتراكم الرؤوس المقطوعة على طريق تدمر الرقة وتتعانق أشلاء الضحايا من دير الزور الى إدلب ينادي بشار الأسد بضرورة استئصال الرأس لإنقاذ الجسد السوري من المرض العضال الذي أصابه على حين فجأة، ولكن لا يخفى على الأطباء ذوي البصيرة الحادة أن السرطان لا يظهر فجأة ولا ينتشر بهذه السرعة دون أسباب واضحة، كما لا يمكن لهذا الكلام أن يكون عبثاً فلا يستطيع المفكر الحر أن يتجاهله بهذه السهولة، عن أي رأس يجب أن نتخلى حتى نحافظ على البلد المقطعة الأوصال؟

لا شك أننا بحاجة إلى مراجعة فكرية لكل شيء، بكل بساطة يجب أن نقوم بإعادة فهم الواقع الحالي بكل تفاصيله المنثورة أمامنا، هذه الأعوام الستة يجب أن تكون كافية لإعادة تنصيب الإنسان كمرجعية عظمى، حيث لا يليق بالموزاييك السوري أن يستورد فكره الخام من الخارج بينما تعاني آلاف العقول ذات الفكر الوطني من كساد سوق الرأي والثقافة، هذه البلاد التي عاصرت الكثير من الأديان والمذاهب والتجارب الإنسانية لن تنجو من المجزرة إن لم تتمسك بأسباب الحضارة والتقدم، حتى إن كان الحل يتلخص بظهور جيل من المنادين بالهوية السورية بل والتعصب لها في ظل انسياق معظم المؤثرين في الساحة الى انتماءات خارجية أثبتت هشاشتها وضعف منطقها مرة وراء مرة وبينما يحتشد آلاف المثقفين في الخارج دفاعاً عن المبادئ الأخلاقية للنهضة في سوريا، يتكتل الآلاف من أبناء البلد خلف قوميات ومذاهب عابرة للحدود ليس من شأنها إلا زيادة الطين بلاً بالدماء وكأن الانتماء الديني أو العرقي يجرد الإنسان من وطنيته بدل التمسك بها في شدة الأزمة، وكأن فروض الطاعة الى الله أو الأجداد تسقط عنا هويتنا التي تكرست عبر مئات السنين، وهل يدرك آلاف الأطفال الذين ولدوا في بلدان اللجوء أو من تفتح وعيهم على الحياة في الغربة هل يدركون معنى هذه التحزبات و التكتلات الغوغائية التي لن تفلح في إيوائهم الى سرير آمن في نهاية اليوم، حيث يواجهون أزمة الانتماء الى بلد لا يعلمون عنه إلا ما يتم تلقينهم إياه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية التي تنقل بلا استحياء أو رقابة صور القتل والدمار اليومي في سوريا

الحل هو العودة إلى فردانية كل واحد منا والغوص أكثر في أعماق الكارثة التي أصابتنا وأشبعت رؤوسنا وعواطفنا بآلاف الأفكار المتناقضة لكي نجد الفطرة الإنسانية التي تحاول الحرب تشويهها وتمريغها في وحل التعصب لأي شيء، عندما نجدها فقط سنعلم جيداً أننا غير قادرين على الاستمرار في الكذب على أنفسنا وتجاهل أخطائنا المتكررة، عندها فقط سنصبح قادرين على العودة إلى أسباب الالتقاء مع الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الموروثة أو المفروضة عليهم، عندها فقط سنترك لهم مفاوضاتهم و حلولهم الجاهزة وسنقبل بالعودة إلى أنقاض البلد الذي ننتمي إليه لنقلبها بناء ونهضة، على شرط أن يكون البناء الأساسي فيها هو الإنسان السوري ولنسقط النجوم عن أعلامنا ليكون هو فقط شعارنا القادم، أما الثورة فلتكن ثورة مدى الحياة ولتكن في كل عام ثورة، أما الشهداء فنحن آخر من يستحق التشرف برثائهم إن لم نسارع لإنقاذ من تبقى تحت أقبية الاعتقال والتغييب القسري

لست أتكلم بمثالية مبالغ فيها بقدر ما أحاول الحديث بموضوعية أمام عجزنا عن الوصول الى نتيجة ترضينا وذلك كله بسبب ضعفنا وقلة خبرتنا في إدارة وتوجيه حراكنا بصدق نحو الحرية والديمقراطية، حيث لا ينبغي لهذا الصداع أن يشفى ببساطة إن لم نقاومه ببعض الوعي، إن لم نكسر جدار الزمن ونفكر بالقادم قبل وقوعه، إن لم نضع الحديث العاطفي ومجازية العبارات الفارغة جانباً، إن لم نتمتع بالمسؤولية الجادة لاستعادة بلدنا مرة أخرى بتخليصه من معادلات البيع والشراء في سوق النخاسة العالمية ولكي يتحقق ذلك يجب علينا أن نعود إليه بغير الرؤوس التي خرجنا بها، عندها فقط يمكننا الحديث بطلاقة عن تصوراتنا لسوريا الجديدة حيث يمكن للجميع أن يشارك أفكاره للجميع لتثبت الأفكار الأكثر ملائمة للشعب السوري وتندثر الحلول المعلبة العفنة إلى غير رجعة.

أيها السادة أستميحكم عذراً فأنا لست إلا رجلاً أتعبته الغربة واللجوء فخامره الحنين إلى مسقط رأسه.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع