بانوراما الحرب والسلام

المشاهدات: 96

د. مهيب صالحة

أجزم بأن لا أحد من أبناء جيلي لم يقرأ ” الحرب والسلام ” للكاتب الروسي العظيم ليف تولستوي , إن لم يكن أكثر من مرة, أو شاهدها فيلماً سينمائياً. كما أجزم بأن هناك إجماع لدى عشاق الأدب و محترفيه بأن هذه الرواية من أهم الروايات التي تغوص في أعماق آلام الحروب وأعماق آمال السلام .


غير أنني ممن حالفهم الحظ مشاهدة بانوراما الحرب والسلام في العاصمة الروسية , التي كانت آنذاك عاصمة القطب الثاني في الحرب الباردة , الاتحاد السوفيتي , الذي شهد منذ منتصف الثمانينات , بعد عودتي من موسكو بشهر تقريباً ,انقلاباً دراماتيكياً , لم يكن يخطر في بال أحد , حتى أشد مناصري القطب الأول , الولايات المتحدة الأمريكية , أن خارطة سدس العالم تتبدل وتتشرذم على النحو الذي بات معلوماً للقاصي والداني .
لست الآن بصدد , التذكير بمضامين الرواية , أو فسيفساء لوحاتها البانورامية , التي لو أراد المرء التدقيق بكل محتوى من محتوياتها لدقيقة واحدة لأحتاج إلى أشهر دون انقطاع . ففي كل ركن من أركان البانوراما حدث جلل أو واقعة مهمة , أشخاص يحلمون بالانتصار , وآخرون يأملون بالبقاء . ثلة من القادة يتحلقون لمراجعة الخطة , وضابط يومي بيده اليمنى المرفوعة وسبابته الممدودة لكتيبة الخيالة بالتقدم إلى الأمام , وآخر يغرق في جدال مبهم مع أحد أقرانه , وثالث يخرج من خيمته بقيافته الملفتة للنظر . طبول الحرب تدق هنا وأبواق تضرب هناك لتجميع حشود المقاتلين . وهذا قائد ميمنة يصول ويجول , وذاك قائد ميسرة يرفع معنويات مرؤوسيه. في جانب من البانوراما كتائب تقاتل , وفي جانب آخر كتائب تستريح . كتائب تتراجع وكتائب تتقدم . مسعفون ينقلون الجرحى الميؤس من حالتهم وآخرون يضمدون جراح من يصلح لمعاودة القتال ….
وفي معظم لوحات البانوراما دماء, جثث , دخان , نيران … بينما إمبراطور الحرب أو قيصرها , أو … لا يهم ماهو لقبه يجمع حوله كبار القادة والمستشارين في خيمة نائية ,لا تشبه الخيم الأخرى , ومن عيونهم تقدح نظرات ممزوجة بالترقب والحيرة عما ستؤول إليه الحرب .
قد نعرف كيف تبدأ الحرب , ولكن لا نعرف كيف ومتى تنتهي . قد يشعلها جاهل , أو حاقد , أو متعجرف , أو ذو مصلحة خاصة , أو مرتبط بمصلحة غيره …لكن من المؤكد أن من يشعل الحرب وهو قوي لا يعطيه أحد السلام وهو ضعيف . يقال أن الحرب هي استمرار للسياسة ولكن نقول إنها الوجه الأقبح للسياسة . أما وجهها القبيح فهو المصالح . وعلى هذا الأساس فإن السياسة هي نقيض الأخلاق لأنها تقوم على المصالح وليس على المبادئ .
والمفارقة الغريبة في الحرب أن من يقاتل تحركه المبادئ , بينما من يشعل الحرب يستثمر دماء المقاتلين في سبيل المصالح . فالحرب , كل حرب , تبدأ بالمصالح وتنتهي بالمصالح . أما الدماء التي تسيل , وإن كانت مفعمة بالمبادئ , فهي تهدر في سبيل المصالح . في الحرب , الموت والحياة يتساويان , إلا أن آلام الموت لا تقاس بآلام الحياة . فمن يموت , لحظة الموت , لا يختلف شعوره بالألم عن شعور من يخرج إلى الحياة , لحظة الولادة , كلاهما الميت والمولود يحتفظ بسر اللحظة , التي تفرق بين الحياة والموت . فلا المولود يفصح عن آلام الولادة إلى الحياة , ولا الميت يفصح عن آلام الحياة إلى الموت . أما الآلام , التي تتركها الحرب , في الحياة , فلا تضاهيها آلام الموت ولا حتى سكراته . تخلف الحرب, في الحياة , أرواح مكسرة , وقلوب مدماة , وآمال محطمة , فهل يتساوى ألم الميت مع ألم من تسببت الحرب بإعاقته , أو من تركت في نفسه جرحاً عميقاً لفقد الولد أو الوالد أو الأم أو الأخ أو الأخت أو الحبيب ؟؟ . الميتون في الحرب يأخذون سر عذاب الموت معهم , بينما الباقون في الحياة , يحملون معهم كل عذابات الحرب , من آلام ,وانتهاكات وفظائع وشروخ…
قد يفهم المرء حروب الدول فيما بينها من أجل المصالح , وإن كان لا يجد لها مبررات أخلاقية لأن الإنسان , أي إنسان , أثمن من أية مصلحة . لكن كيف له أن يفهم حرب الأهل فيما بينهم . وإذا كانت الحرب هي استمرار للسياسة التي تقوم على المصالح فعن أي سياسة وأية مصالح يمكن أن يتحدث المرء في الحرب الأهلية , أو حرب الحكم على المحكومين .
طبيعي أن يختلف الأهل , حول نمط الحياة , أو طريقة إدارتها , أو توزيع المهام والأدوار . وطبيعي جداً أن يصل الاختلاف حد التناقض . لكن من غير الطبيعي أن يتحول الاختلاف إلى عداوة , أو حرب , لأنه في هذه الحالة لا يصح القول أن الحرب استمرار للسياسة إذ أن البشر دائماً تواقون لتحسين شروط حياتهم , وعلى هذه الشروط يختلفون . وإذا كان هذا الاختلاف , هو سياسة, فهل يستدعي الاختلاف الحرب ما دام هناك وسائل أخرى , سلمية , من شأنها تغيير شروط حياة الناس نحو الأفضل من دون حرب وسفك دماء وتدمير وتهجير؟؟.
في معادلة الحرب والسلام لا تقاس آلام الحرب بآمال السلام , لأن الآلام هنا وسيلة بينما الآمال هي غاية , والغاية لا تبرر الوسيلة بالمنظور الأخلاقي الصرف . أما بلغة المصالح فإن الحرب هي وسيلة الضعيف في السلام .
لا أدري , إذا كان من حسن حظ أو من سوء حظ رجل خمسيني مثلي يعيش أيضاً بانوراما الحرب والسلام بكل تفاصيلها, حيث يشاهد في أبرز أركانها , نهاية وطن , وفي كل جزء من أجزائها نار ودخان ودمار , وفي كل مرحلة من مراحلها تشرذم وانقسام . إن مجرد التفكير في البقاء في مدينة سورية تقصف أو تدور رحى الحرب فيها , يعني انتظار الموت في أي وقت , لأن السلاح الذي يستخدم لا يستعمل إلا في حروب الدول فيما بينها على المصالح . بل ليس الموت وحده ما تحمله هذه الحرب المجنونة إنما تحمل آلام انتظار الموت من جوع وعطش وبرد وتشرد وقهر ودماء ودموع لا تقل هي الأخرى إيلاما بالناس من مآلات الحرب . وصف عنترة الحرب بأن أولها شكوى… وأوسطها نجوى … وآخرها بلوى , لذا فإن آلام الحرب , ما بعد الموت , لا تقتصر على جيش من الأرامل واليتامى وجيش من المعوقين جسدياً ونفسياً بل أيضاً جيش من اللصوص والزعران وتجار الحروب . وتكلفة ما بعد الحرب ستكون أضعاف تكلفة إبان الحرب لأن وقود الحرب هم الجنود والفقراء , وهؤلاء يعدون غالبية السكان الذين سيحملون وحدهم وزر وأعباء إعادة إعمار ما دمرته الحرب عدا عن كونهم من يدفع الدماء ضريبة للحرب, يقول أحمد شوقي :
والحروب يبعثها القوي تجبراً وينوء تحت بلائها الضعفاء
في مشهدية الحرب , ترى جيشاً كاد يتفكك , لولا التدخل الخارجي , لأنه زج به في أتون صراع سياسي داخلي, وهو المفترض به أنه جيش الوطن , كل الوطن , وليس جيش القيصر , أو جيش مواليه , مكانه حصراً على حدود الوطن, مع العدو المتربص دائماً بالوطن , وما بعد حدود الوطن . وفي زاوية أخرى ترى جيشاً آخر ولد مفتتاً, يدعي أنه جيش الثورة , ولكن ليس كل الثورة . جيش ليس له راية واحدة , ولا أركان واحدة , ولا رأس واحدة . مشهدية لا تختلف كثيراً عن مشهدية تولستوي سوى أن جيش القيصر يقاتل من أجل القيصر ووهم عودة الأمور على ما كانت عليه في السابق ,إنه يقاتل من أجل الماضي ,ويستعين بدول وميليشيات أجنبية لا دور لها سوى تأجيج الحرب واستدعاء أجانب آخرين إليها . بينما جيش الثورة يفترض أنه يقاتل من أجل الشعب والأرض , من أجل المستقبل- مما لا يمكن تأكيده أو نفيه لأنه في علم الغيب , فكثير من الثورات في التاريخ حاد عن أهدافه وقيمه الأخلاقية وتعرض لانتكاسات رجعية. وإلى جانب هذين الجيشين جماعات متطرفة جاءت من كل حدب وصوب بأجندات ظلامية متخلفة وهمجية تقاتلهما وتنازعهما النفوذ والتحكم , وتتخذ منها الدول الأجنبية حجة لشتى تدخلاتها .
من صورة الحرب ترتسم صورة السلام . ومن آلام الحرب تنبثق آمال السلام , في مشهدية بانورامية , لا تقل فظاعة , عن مشهدية الحرب . قيصر يتشبث بالحكم وثمن تخليه عنه أو عن طبيعته هو دمار البلد. ورهط من رجاله يوصف “بأبرياء الدم” لا حول لهم ولا قوة ,غيبوا أنفسهم بأنفسهم , ولا تسمع لهم صوتاً ولا ترى لهم فعلا – مدعو للعب دور في مستقبل البلد. وفئة أخرى تدعي معارضتها للحكم , وهي أشد ولاء للقيصر , مما يصح معه القول : أنه في سورية فقط معارضة توالي الحكم . كل هؤلاء لا يخترق السلام سقفهم . وفي المقلب الآخر , معارضة من كل حدب وصوب تتلون بكل ألوان الطيف , مجرد الدعوى للسلام تكشف عن عمق تناقضاتها وارتهاناتها , و زيف بعضها , وعهر بعضها , وتطرف بعضها , ومصلحية بعضها .. لكن اللوحة الأبرز في جدلية الحرب والسلام , شعب يهرس بمطرقة القيصر على سندان معارضيه , والعجب العجاب أن كل المتصارعين يدعي تمثيله ويخطب وده لانتخابات مزعومة. والجميع يحسب نفسه الأقوى والأبقى . إلا أن القوي ليس من يكسب الحرب , إنما الضعيف هو من يخسر السلام دائماً .
وبالعودة إلى اللوحة الأولى من بانوراما الحرب والسلام , نشاهد عودة الحرب الباردة بين قطبين عالميين, تدور رحاها على أرض , وطن صغير , إلا أنه كبير , بشعبه وجغرافيته وتاريخه وحضارته و ثقافاته …لكن هذه المرة , لن نشهد سقوط أي من القطبين , إنما المؤكد هو سقوط ضمير العالم , الذي اختار التفرج على بانوراما الحرب والسلام في هذا الوطن , منذ سنوات , دون أن يحركه حجم الدماء والخراب والبلاء.
إن فرص السلام لا تأتي دائماً بعد حرب لا يعرف المتقاتلون فيها أين ومتى تنتهي , وما هو حجم الخراب الذي تخلفه ولا سيما أن الجميع رهن قراره ومصيره , ومن ثم مصير الوطن برمته , لإرادات أجنبية لا هم لها سوى تقاسم النفوذ, وإعادة ترتيب المنطقة التي نحن جزء مهم منها , على نحو يضمن مصالح إسرائيل وأمنها , وإعادتها عشرات السنين إلى الوراء مع تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية والأثنية فيها . في كل مرة كانت الأطراف المتصارعة تضيع فيها فرصة السلام ,كان العنف والدمار يتزايدان ,ويتكبد الوطن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات وتشرد المزيد من أهله وتعميق تشرذم وتهتك نسيجه الاجتماعي . وإذا فوت الجميع فرصة السلام الحالية , وربما تكون الأخيرة , فإن لا أحد يمكنه التكهن بما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً , ولكن يمكن الجزم أن البلد سيوغل بعيداً في الجحيم الذي يضيع في تيهه السلام .
إن سلاماً , مهما يكن هزيلاً , لا يعطي كل طرف كل ما يريد , أفضل ألف مرة من حرب قد يظن من أشعلها أنها عادلة لكنها قد تدمر الجميع . أوقفوا هذه الحرب المجنونة وارفعوا تراتيل السلام في ربوع هذا الوطن قبل أن يخسره الجميع.
ملاحظة : نشر هذا المقال أول مرة بتاريخ 25/شباط/2013 , وأنشره الآن كدعوة من أجل كسب فرصة السلام الأخيرة.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع