داعش الثقافة و سَبّيِ الكلمات

المشاهدات: 132

أحمد خليف 

في مجتمعنا الذي كان يسوده الخوف و استعباد الأراء أو قمعها تحت سياط الحكومة و كرابيج زبانيتها، و إبان الحيرة بين قول الحق أو عدمه و المفاضلة بينهما، يوقن المرء تماماً أنّ تعفنه فوق الأرض كشيطان أخرس عن قول الحق هو غالباً أفضل من ندمه في أقبية المعتقلات أو سراديب السجون، أو ربما لحده تحت التراب إذا تطلب الأمر.

 

بعد تَفجّر ينابيع الثورات العربية وما أغدقته من حرية و تحرر و انعتاق، تلألأت في سمائنا الكثيرُ من الأسماء التي حَكَت و خطّت و ناقَشت وطالبت من أجل الحريات و تغييّر صراطات الأنظمة عن فسادها، كما و إنكَشَفَ الغطاء عن كثير من ذوي المواهب و الإبداعات، حتى صيغت أسمائهم على أغلفة الكتب و صفحات الجرائد و تصدّر البعض منهم عناوين الأخبار.

لكن و بالمقابل فما يزال هناك العديد مِن مَن لم يستطيعوا إطلاق العنان لأنفسهم و نشر ما خطّوه مدعاة فُقرٍ مادي مقذع، ولأن معظم الكتّاب العرب على غيرهم من كتّاب العالم كما يعلم الجميع، مضطرون لإدخار المال وتوفيره من عملهم الأساسي في سبيل طباعة مؤلفاتهم “سياسة الدفع مقابل النشر”، حتى لو امتلكوا لموهبة رسم التفاصيل بالكلمات أو شحن العواطف بالعبارات، نتيجة لذلك قامت بعض دور النشر البسيطة (مشكورة) بالعمل بسياسة “الطباعة بالمجان” في سبيل إتاحة الفرص لأصحاب المواهب لإثبات جدارتهم، و أيضاً لأنّ المؤلف هو البئر الذي يمكن أن يروي حقولهم العطشى.

 

لكن بعض دور النشر الملتوية إنتهزت هذه السياسة ليبدو ظاهرها فيه النجدة و باطنه من قبله الخذلان، فكانوا أقرب ما يكونون إلى سجون للنشر، بإستغلالهم لفقر الكاتب و شغفه إلى نشر محتواه، من خلال بنود العقد المبهمة و التي إن لم يكن قارؤها متيقظاً لمفرداتها المطموسة و التي هي أشبه بالطلاسم، فستجرّدهُ من عمله كما يُجرّد الميّت من ثوبه بسهولة.

كأن يرد في أحد البنود أن الدار تقدم بعضاً من النسخ كهدية للكاتب، و في بندٍ لاحق يُذكر أنّ ما ورد في ذاك البند هو بمثابة بيعٍ قطعي لحقوق الكتاب و نقل ملكيته الفكرية من الكاتب للدار بشكل قطعي لا رجعة فيه و إلى الأبد، فالبعض يرفض هذا البند و يحاول تغييره، و البعض الأخر يرضخ له لأنّه لا يملك خياراً أخر ولا يملك المبلغ المادي المطلوب لنشر كتابه، ولأنّه يفضل أن يرى نتاجه حياً متفاعلاً مع المجتمع، على أن يراه مركوناً في مجلدات الأقراص المحلية في حاسبته.

 

ثم يبدأ الكاتب تدريجياً بإكتشاف عدم إلتزام الدار ببنود العقد الواردة، بدءاً من تلك النسخ التي تخصه و التي جرّدته من نتاجه، حتى يدرك لاحقاً أنّ سجن النشر هذا قد قام بمخالفة جميع بنود العقد و حتى بنوع الورق و الغلاف المتفق عليه مسبقاً، و يدرك أيضاً أنّ الكمية المطبوعة تجاوزت الحد المتفق عليها مسبقاً، و أن دار النشر تبرز ما تريده فقط على رفوف الكتب في المعارض و تنقد كتابه إذا ما سألهم أحد عنه على عكس ما وعدوه به.

أمّا إذا كان المؤلف ذو حظٍ عظيم و شارك كتابُه في أحدِ المعارض فإنّه سيكتشف أنّ كتابه بيعَ بأسعارٍ تُعادل ضعف سعره في المكاتب، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّه في الغالب لا يكون للمؤلف حصة من الأرباح حينما تكون تكلفة الطباعة على عاتق الدار، و أنّ الكمّية التي خصصتها الدار لغايات الإهداء سواءً للنقّاد أو الكتّاب أو الصحافة، قد بيعت من قبل الدار، و أنّ الصحافة أو الإعلام لا يعلمون شيئاً عن كتابه أو حتى من هو بعد أن كانت الدار تعده بالإرباح الوهمية و الترويج الخدّاع.

 

حتى يصل المطاف بالمؤلف أن يرى كتابه قد تُرجم للغة أخرى دون علمه، و إيّاه أن يستفسر، فعندما يبدأ بالإستفسار عن سبب مخالفة الدار لبنود العقد أو تحريفها، تَنهال عليه عبارات الإستحقار الصارخة و التحجيم منهم بإنهم هم من حققوا حلمه و طبعوا كتاب بإسمه بعد أن لفظته دور النشر الأخرى، فمن الواجب ألّا يتطاول عليهم.

 

و أخيراً أقول:

 

يجب الإهتمام بمبدعي الثقافة و مؤلفيها، لأنّ المؤلف أو الأديب هو وجهنا الذي نقابل به الحضارة و لربما كان كتابه يوماً الممثل لثقافتنا خارجاً، فمن يتغاضى عن سرقة دور النشر هذه ليس إلا أميراً في دولتهم لا يمت للثقافة أو المثقفين و رعايتهم بأيّ صلة .

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع