عن الجهاد والنضال

المشاهدات: 415

غيداء العودات 

لا أدخل في هذا العرض في جدل التفسيرات والتأويلات، إنما هو عرض أفاضل به بين العملين معتمدة على تفسيرين لهما ليس بهما أي اجتهاد شخصي، إذ لطالما شغلني كيفية تحويل حراك شعبي يسعى للحرية والديمقراطية والعدالة، لحراك دعوي وسَمَهُ استخدام تعبير الجهاد بالإسلاموية.

لقد عُرِّف الجهاد في اللغة العربية على أنه المشقة، إذ يُقال: جهدت أي بلغت المشقة. أما تعريفه المتعارف عليه شرعاً والذي اجتمع عليه أهل الفقه، فهو بذل الجهد في قتال الكفار، ومجاهدة النفس والشيطان والفساق، ووفق الإسلام الجهاد في سبيل الله هو جميع الأفعال أو الأقوال التي تتم لنشر الإسلام أو لصد عدو يستهدف المسلمين، أو لتحرير أرض مسلمة، أو لمساعدة مسلم، وحدد الإسلام للجهاد هدفين لا ثالث لهما، جهاد الدفع وجهاد الطلب، جهاد الدفع جهاد في سبيل الدفاع عن المسلمين والإسلام والقرآن، وجهاد الطلب جهاد بغاية نشر تعاليم الإسلام وقوانينه باعتباره دين صالح لكل شعوب الأرض على اختلاف موقعها الجغرافي وإثنيتها.

أما مفهوم النضال، وحسب المتعارف عليه عندما ساد في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وحتى قبل نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، فهو نضال ضد الاستعمار، ضد الرجعية، ضد الصهيونية ، كانت فيه صفة المناضل شرفاً مضافاً لحاملها وفخراً له. ولاحقاً مع فشل الأنظمة العربية في معارك التحرير ومعارك بناء المجتمع والمواطن، وتفاقم ظاهرة الاستبداد الذي أنتج الفساد والقمع والسجون والتهجير، وقيام الحروب والنزاعات الداخلية، والحروب الخارجية الكارثية، فقد النضال بريقه حين استخدمته الديكتاتوريات للتسويق لها كقيادات مناضلة، وحلّ مع الوقت مكان صفة المناضلة تعبيري القيادات المقاومة والممانعة، واستُبدِل مفهوم النضال بمفاهيم فرضتها السلطات الديكتاتورية خدمة لغاياتها، وبتغيير مفهوم النضال فقد قيمته ومكانته الأصل عند الجماهير ذاتها الذي عبأها ذات يوم  لقضايا التحرر والاستقلال والعدالة.

عند انطلاق ما يسمى بالربيع العربي أعيد من جديد استخدام تعبير النضال باعتباره عملاً جماهيرياً ضد الديكتاتوريات، واعتَبَرت مجموعات من الجماهير الديكتاتوريات خصماً مساوياً للاستعمار، لأنها برأيهم فعلت ما كان يفعله الاستعمار بهم. وفشلت الجهود التي سعت لتسمية الحراك الشعبي نضالاً، مقابل جهود حثيثة قام بها الأخوان المسلمون سعت لإحياء فقه فريضة الجهاد، وترغيب الشباب بها، وتحبيبها إليهم، فأسرع كثير منهم بتبني كلمة الجهاد التي كانت بالنسبة لهم الأقرب للتعبير عن تضحياتهم، فهي كلمة مألوفة وردت كثيراً في أحاديث وروايات رجال الدين في المساجد حيث كانوا يلجؤون للشكوى إلى الله سوء حالهم وكثرة همومهم، تلك المساجد وأولئك الرجال اللذين تم استثمارهم من الديكتاتور بهدف نشر ثقافة اللجوء لله سعياً وراء الفرج، ثقافة الاستكانة للقضاء والقدر وانتظار الخلاص من الله، بدلاً من اللجوء للعقل والبحث عن حلول عملية لتغيير أوضاعهم. وضع مناسب للاطمئنان على أمان السلطة وديمومتها، لا تخشى فيه من احتمالية قيام الجماهير بتحركات تقلق راحتها وتزعزع عرشها وتفكر يوماً بوجوب تغيير الأنظمة لتتغير أوضاعها. إضافة لهذا فإن الجماهير بعد اليقظة، سارعت في إطلاق تعبير الجهاد على تضحياتها كموقف مضاد كاره لاستخدام النظم الديكتاتورية لسنوات طويلة كلمات كالنضال والمقاومة والممانعة لحشد قوى شعبية الى جانبها، حيناً بحجة مقاومة القوى الخارجية والاستعمار، وحيناً بحجة المؤامرات العالمية، متناسية تلك النُظُم أنه لا يمكن لشعب ضعيف، فاقد لأبسط الحريات والمعرفة والثقافة، أن يكون صالحاً لمحاربة عدو خارجي وهو في مجتمع هزيل ومنهك، لا يملك مقومات الدفاع ولا القدرة على المقاومة ولا تعنيه أسباب الدفاع والمقاومة .

لهذا سَهُل وقوع شرائح كبيرة من الشعب في فخ توصيف نضاله ضد الاستبداد بصفة الجهاد، وتحولت مطالباتهم بالتالي وفقاً لتعبير الجهاد من مطالبة بالعدالة والمساواة والديموقراطية والكرامة والحرية، وهكذا أصبح أهم مطالبهم نظام حكم إسلامي سني يلتزم بتعاليم الإسلام ويتخذه مرجعية لدستور وقوانين الدولة، ومحاربة كل الأطراف الأخرى المختلفة عنه ولو بممارسة نهج الاستبداد ذاته، ونجح الأخوان والسلفيين وكل الحركات الإسلامية في نشر مفهوم الجهاد وفق رؤيتهم السوداء ومورس في أسوأ صوره، ولا أظلمهم لو قلت أنّ استخدام تعبير الجهاد أمعن في إيقاد نار الطائفية وسلوكهم وفقه أسهم في دفع كثير من السوريين للخوف.

اليوم ورغم سوء الوضع، ولأن الحراك السوري بدأ أصلاً للنضال ضد الاستبداد والديكتاتورية، وللوصول الى قيم العدالة والمساواة والكرامة الانسانية، أصبح بين الحراك كما بدأ وبين ما يجري فرق شاسع يحتّم العمل على استعادته ، فباستعادة أصل المطالب والأهداف يصبح الخروج من الظلام إلى النور ممكناً، ويعبّد طريقاً جديداً يصل في نهاياته لإنشاء دولة المواطنة والعدالة والقيَم الانسانية.

لعل تعبير التنوير هو الأمثل الآن للوصف، تنوير العقول والأفئدة حول حاجتنا الماسة للنضال في وجه كل ما يمكن عرضه بديلاً لأهداف الحراك الشعبي، الحراك  الذي سعى منذ لحظة البدء للعدالة والحرية والمواطنة والمساواة والديمقراطية وبناء دولة حرّة ومستقلة بعد مستنقع الجهاد الذي وقعنا فيه، فالنضال كلمة حق يُراد منها الحق بينما أرادوا بكلمة الجهاد باطل، فرق كبير بين ثقافة الحياة وصناعتها وثقافة الموت وصناعته.

.

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع