طنجرة الفيتنامي

المشاهدات: 135

د. ممدوح حمادة 

مسكن الطلبة كان فارغاً تقريباً في العطلة الصيفية، لم يبق فيه من العرب غير أولئك الذين ليس معهم نقود ثمناً لبطاقة الطائرة إلى الوطن، وهم عبارة عن ثلاثة سوريين ولبناني وفلسطيني. نحن السوريون إضافة لعدم وجود النقود ثمن البطاقة لم يكن لدينا جوازات سفر أيضاً، فقد خرجنا فيما يشبه التهريب، حصلنا على جوازات سفر لستة أشهر يسمح لنا السفر بها إلى البلاد العربية فقط، ولذلك اضطررنا أنا والسوري الآخر إلى السفر عن طريق الجزائر، أما فتحي (السوري الثالث) فهو في جواز السفر ليس فتحي وإنما ابراهيم، وإبراهيم هو شخص لبناني ميت حصل فتحي على جوازه بطريقة ما ليخرج به، لأن فتحي كردي سوري بدون جنسية، ولذلك فقد خرج بجواز سفر لبناني من بيروت. وللحقيقة، فنحن كنا من ذوي الجيوب الفارغة ليس في وقت العطلة الصيفية فقط، وإنما العام كله بشهوره الاثني عشر، غير أننا في أوقات الدوام كنا نستدين من الآخرين، أما في العطلة فكنا كما لو أننا في الصحراء، لا أحد غيرنا في مسكن الطلبة، سوى طالب فيتنامي نجهل سبب بقائه.

الكوبيكات القليلة التي كانت معنا أشرفت على النفاد، لم يبق منها سوى عشرة كوبيكات في جيب هاشم، وهي تكفيه لكي يركب المترو ذهاباً وإياباً، وهكذا توجه إلى المترو الذي كان يفترض أن يقله إلى آخر محطة يسير بعدها مدة ربع ساعة فيصل إلى صديق لبناني له هناك، حيث يستدين منه مبلغاً يكفينا لأيام نكون خلالها قد عثرنا على مخرج ما، ولكن المصائب وكأنما تفرغت لنا وقررت أن تجتمع علينا، حيث أن جهاز صرف الكوبيكات في المترو ابتلع العشرة كوبيكات التي وضعها فيه هاشم ثم بصق في وجهه ولم ينزل له من الأسفل قطعتي الخمسة كوبيكات المفترض أن ينزلهما، وهكذا بعد أن أكلت الآلة كوبيكاته العشرة، عاد هاشم بجيبه الفارغ الذي أصبح يشبه جيوبنا. ما الذي يمكن أن نفعله الآن؟ سؤال تبادر إلى ذهن كل منا في هذه اللحظة، ولكن ولأن الجميع يعرفون أنه سؤال غبي لا إجابة له، فإن أحداً لم يطرحه وبقينا صامتين لفترة طويلة، ولكن الجوع اشتد بعد الظهر، فاقترح ناصر، الذي كنت أشك بعد كل أزمة تعصف بنا أنه يوماً ما كان حرامياً، اقترح أن نذهب إلى مطعم الخدمة الذاتية في الطابق الأرضي من السكن، فيقوم كل منا بوضع قطع من الخبز في جيبه ثم نتصنع أننا غيرنا رأينا ونخرج. وهكذا فعلنا. فخرج بعضنا من هناك بقطعة من الخبز، وبعضنا بقطعتين، أما ناصر فسحب من جيبه بعد أن خرجنا من هناك بيضتين مسلوقتين قسمهما على الجميع، في اليوم التالي فعلنا الشيء نفسه في الصباح، لكن في هذه المرة وبعد أن اكتسبنا خبرة، خرج كل منا ببيضة مسلوقة في جيبه، أما ناصر فإضافة إلى ذلك كان في جيبه قطعة من الجبن، وكما يكتسب اللص تجربته في الممارسة العملية، تكتسب الضحية خبرة كذلك، فبعد الظهر ما إن شاهدتنا المحاسبة ندخل حتى نهضت من مكانها وهرعت باتجاهنا طاردة إيانا شر طردة. انكشف أمرنا إذا، ويمكننا بكل بساطة أن ننسى هذا المطعم.

بات كل منا ليلته تلك بمعدة خاوية، وبينما كنا نلعب بورق الشدة كان ناصر مستلقياً على ظهره فوق السرير وقد شبك ذراعيه خلف رأسه ويحدق في السقف المطلي بالكلس الأبيض بعينين حزينتين، ثم فجأة قال بنبرة لا تخلو من الإيحاء بما يجب فعله لاحقاً:

– ((شباب… اليوم شاهدت الفيتنامي يضع طنجرة على السخان في المطبخ)).

* ((كل يوم يفعل ذلك)).

أكد فتحي، لم يكن هناك داع لكي يكمل ناصر ما كان يفكر فيه، رمينا ورق الشدة جانبا وتحلقنا حول الطاولة لرسم مخطط من أجل سرقة الطنجرة دون أن يفتضح أمرنا، فإن حصل ذلك لا سمح الله ووصلت الأمور إلى الشرطة فهي سرقة، وإن أشفقوا علينا وغضوا الطرف فهي فضيحة، ولذلك فقد كان الاقتراح على الشكل التالي، نغادر نحن الخمسة السكن على مرأى من الفيتنامي ومن العجوز المناوبة في مدخل السكن، ثم يعود اثنان من الباب الخلفي تسللاً ويراقبان الفيتنامي دون أن يشعر، وعند أول مغادرة للمطبخ يدخل واحد من الاثنين يختطف الطنجرة ويعود فيضعها على الطاولة في الغرفة ويتركها هناك ويخرج بسرعة الريح فيقوم الثاني بإغلاق الباب بسرعة ويختفيان من الباب الخلفي كما دخلا. وهكذا بقينا حتى الفجر نفكر في ما الذي ستحتوي عليه طنجرة الفيتنامي في الصباح. أحدهم قال إنه شاهد الفيتنامي مرة يطبخ الأرز، والثاني قال إنه شاهده مرة يسلق دجاجة، بينما قال فتحي إنه شاهده مرة يسلق كراعيب خنزير، فما كان من ناصر إلا أن قال له:

– ((خليك ساكت يا خرا ضروري تحكي يعني!)).

في اليوم التالي نفذت الخطة كما رُسمت تماماً، وابتعدنا عن سكن الطلبة لكي لا يرانا الفيتنامي إن أطل من النافذة، ومررنا في أثناء ابتعادنا من خلف مطعم الخدمة الذاتية، وشاهدنا عاملة التنظيف تفرغ في برميل هناك فضلات المطعم التي كان بينها قطع من الخبز تكفي لإطعامنا جميعاً، الصيف كله، وشعرنا بالغبن بعض الشيء لأننا لا نجد ما نأكله وكل هذه الخيرات ترمى في القمامة. ولكن من قال إننا يمكن أن نغير العالم الآن؟ تابعنا طريقنا وبقينا خارج السكن حتى غياب الشمس تقريباً، ثم عدنا وكل منا معدته تمني النفس بما لذ من الطعام داخل طنجرة الفيتنامي، لأن فتحي الذي قام بعملية اختطاف الطنجرة، لشدة خوفه في أثناء عملية السطو، لم يفكر في رفع الغطاء ليرى ما في داخلها، وضعها واختفى من الغرفة وقلبه يخفق بشدة.

دخلنا إلى الغرفة وأغلقنا الباب بسرعة، وتساءل هاشم:

– ((أين ناصر؟)).

اختفى ناصر في الطريق دون أن يشعر به أحد، وهذا أمر عادي، ولذلك لم يعر أحد لسؤال هاشم اهتماماً، وامتدت أيدي الجميع في الوقت نفسه تقريباً لرفع غطاء طنجرة الفيتنامي. الخيبة ارتسمت أيضاً على وجوه الجميع، فالطنجرة لم يكن فيها سوى ماء تلمع على وجهه بعض بقع الزفر.

– ((على الأغلب، فإن هذا الزفر هو من الماء الذي طبخ فيه الفيتنامي أمس دجاجته)).

قال فتحي، فتناول هاشم ملعقة وتناول رشفة من الطنجرة وقال مؤكداً:

* ((على الأغلب)).

وهنا دخل ناصر وفي يده كيس بلاستيكي وتساءل قلقا:

– ((هل تركتم لي شيئاً؟)).

فطمأناه أننا لم نبدأ بعد، لأن ما في الطنجرة ليس سوى زوم دجاجة الأمس، فأفرغ ناصر محتويات كيسه البلاستيكي على الطاولة، وتجمعت كومة من قطع الخبز الأبيض وقطع الخبز الأسود بعضها كاملة وبعضها ليس كذلك، فوزعنا الكؤوس على الطاولة وسكبنا مرق دجاجة الفيتنامي في الكؤوس ثم امتدت الأيدي إلى قطع الخبز البيضاء والسوداء لكي نبدأ الطعام، ولكن فتحي كعادته يطرح جميع أسئلته في غير أوانها، حيث توجه إلى ناصر قائلاً:

– ((من وين جبت الخبز؟)).

فصرخ به الجميع:

* ((خليك ساكت يا خرا! ضروري تسأل؟)).

– ((شو سر يعني؟)).

امتعض فتحي وشاهد الجميع علامات حزن تظهر في عينيه بما يوحي أنه ربما يمتنع عن الطعام تعبيراً عن احتجاجه على الطريقة السيئة التي يتم التحدث بها معه، فرد عليه ناصر:

* ((لا… ليس سراً. نمت مع العجوز التي تعمل في المطعم فكافأتني بالخبز. غير تخلينا نفضح المرا يعني؟)).

قال ناصر غاضباً وصدقناه جميعاً، وأعتقد أنه هو أيضاً صدق نفسه، والتهمنا بنهم جميع قطع الخبز السوداء والبيضاء، الكاملة منها والناقصة، ولم نجد اختلافاً في الطعم بينها وبين قطع الخبز الأخرى، كما شربنا مرق دجاجة الفيتنامي دون أن نترك منه نقطة واحدة، لقد كانت وجبة لذيذة فعلاً.

في صباح اليوم التالي وجد الفيتنامي طنجرته التي ملأها بالماء ووضعها على النار لكي ينظفها من الزفر العالق بها، فأخذها دون أن يقول شيئاً، ولكنه منذ ذلك اليوم لم يعد يغادر المطبخ دون أن يأخذ كل أشيائه معه.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع