عن منع الخمور في جمهورية العراق الممانعة الحالية ..

المشاهدات: 463

فارس الذهبي

قد يختلف الكثير أو يتفق حول مبدأ إجازة الخمور أو منعها في أي دولة من دول العالم ، وتبقى المشروبات الكحولية جزء أساسي من الجدل في العالم بين منع وتحريم ، أو ، ترحيب وتجريم ،ولكل طرف من الأطراف حججه و مستنداته في الدفاع عن موقفه ،دون أن ننسى أن الولايات المتحدة منعت بناء على التعديل الثامن عشر للدستور الأمريكي والذي اعتمد في 16 يناير 1919 م. و بدأ تنفيذ المنع في 16 يناير 1920 م وانتهى في 1933 م بناء على التعديل الحادي والعشرين للدستور الأمريكي…أي أننا نتحدث عن منع وفقاً لتصويت في الكونغرس ،طبق ورفع بناء على أسس دستورية .

ولكن ما يهمنا هو قرار البرلمان العراقي في 22\10\2016. بمنع انتاج وتداول الخمور في الجمهورية العراقية ..التي دخلتها الديمقراطية الأميركية الايرانية سنة 2003 ..وتم تسليم البلد والمجتمع فيها لمجموعة أحزاب دينية ،بدأت بإلغاء كل تنوع موجود في البلد لصالح فئة واحدة تتبع للجمهورية الاسلامية الايرانية ،فتضاعفت الهجرة والقتل والتشريد والنزوح و تنوع المدن وتم إلغاء ثقافات و إثنيات وأقليات و حتى مكونات أساسية من هذا البلد العظيم ..بحجة محاربة تنظيم داعش الذي يلغي كل شيء و يحرم كل شيء ،ولكن ما فعله مجلس النواب في أواخر الشهر العاشر ،لم يكن إلا فعل من أفعال الوجه الآخر لداعش ،فإن كان داعش يحرم و يقتل و يهجر بحكم القوة  ،فالحكومة الشرعية المزعومة وبحكم القانون تفعل ذات الشيء ولكن بقوة القانون وقوة السلطة التي تمتلكها بعد تربعها على السلطة ..

وفي فعل الحكومة العراقية المحرم للخمر (وهو مجدداً شأن خلافي وقابل للجدل الحر )  انقلاب حقيقي على ثقافة بلاد الرافدين نفسها ،فعبر التاريخ عرفت بلاد ما بين النهرين الخمر كمكون أساسي للثقافة والمجتمع والعلاقات الانسانية و الفنية وحتى الزراعية والصناعية ،فالمجتمع الزراعي البسيط الذي نشأ بين نهري الفرات ودجلة ،عرف ومنذ آلاف السنين صناعة التخمير و التقطير ،لمنتجات أصيلة في البيئة الريفية والمدنية العراقية ،فمن تخمير التمر إلى تقطير التفاح وإضافة منكهات خاصة تلاءم المزاج العراقي إلى المكون الشراب ،مثل السفرجل المر أو الدجاج الدسم والدهني ..وهناك يقسم العرق العراقي إلى نوعين المستكي والزحلاوي .. وهناك نوع من العرق يستخرج من لب النخل ذاته ،يجمع و من ثم يقطر ،وحتى أن سهوب العراق التي تزرع بالقمح والشعير ،ساعدت على صناعة البيرة منذ الأزل ،وفي النصوص السومرية والبابلية العشرات من الإشارات لذكر البيرة والخمر كمكون إعتيادي في المجتمع العراقي القديم ،ففي قصة الخلق تسكر الآلهة و هي مجتمعة في مجمع الآلهة و تتصارع فيما بينها ،فيما سمى الأكروبول السومري والبابلي الإله (سيريس) كإله مسؤول عن صناعة البيرة من الشعير ،بينما يخرج أنكيدو البطل الثاني الوحشي في ملحمة جلجامش الشهيرة ،مترعاً بالسكر من بيت صديقته العاهرة ،كدليل عن الشخصية العامة المنخرطة في ملذات البلاد المتاحة ..وليس أبو النواس شاعر الخمر ومؤلف ديوان الخمريات يغرد خارج سياق مجتمعه المتآلف مع الخمر ، ولا الجاحظ الذي كتب رسالة هامة بعنوان (في مدح النبيذ وأهله ) ولا الحلاج أو ابن الرومي والكثيرين ممن أغدقوا الاحبار في وصف عنصر حقيقي تعايش معه أبناء الرافدين فمنهم من كرهه ومنهم من حرمه ومنهم من عشقه ومدحه ، ولم تنقطع هذه العلاقة وصولاً إلى العصر الحديث فالشعراء المغنون الذين جابوا ملاهي النهرين و مقاصفه يروون غزلهم في الشراب الذي يذكرهم بالمحبوب أو بالوطن الغائب بعد المنفى أو بشتم الغربة و الحنين إلى الديار لا يعدون ولا يحصون ،بل لا يمكننا ذكر أي مطرب عراقي لم يغني موالاً على الأقل في مديح (مذهبات العقل) ،فخمريات المعلم ناظم الغزالي مثل موشح (ايها الساقي ) و النمط الغنائي الخاص بالرافدين المسمى (البستة) التي تقول( أنا اللي جنت أسقي ) أو المطرب الطربي الشعبي سعدي الحلي و مواويل طربه في الخمر ..

كل هذا التنوع والثراء ،والتجاذب بين العقل ومذهباته ،وبين التحريم و التجاهل والسماح ،ذهب أدراج الرياح مع دخول الفكر المتشدد القادم من شرق الرافدين ،فكر الجمهورية الاسلامية التي تحاول ايران تأسيسها في بلاد عرفت التنوع والتبادل الثقافي والغفران طويلاً ،فبحجة قتال تنظيمات ارهابية ،قتل هؤلاء المحتشدون روح العراق ،وروح أبناءه ،قتلوا أي عاشق يلوذ بكأسه في انتظار عوته لبلاده ،وخنقوا مواويل المطربين المحشورة والممنوعة في صدور العطاشى الخائفين من بطش عسس الحكومة التي تمارس الديمقراطية في خطابها للغرب، و الأمر بالمعروف والإجبار على قبول ما تقرره حكومة التحريم المكلفة من قبل نفسها بتطبيق صلاح المجتمع ..ربما يكون هذا المنع أحد شروط الممانعة والمقاومة في هذا العصر ..

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع