fbpx
أخبار

لعنة السوريين

(بدي سافر، انشالله تقعدوني بالاسكيمو، بالهنولولو المهم سافر)

 (اسألولنا شي حدا بيعرف شي طريقة للهجرة، طقينا من هالعيشة)

(لا كهربا لا مازوت لا رواتب، واذا بدك تفتح مشروع صغير تترزق منو بنطلك مية واحد ومية معاملة بتكرهك هالبلد، لك جربت افتح بسطة صغيرة سكرولي ياها قال بدك موافقات وغيري فاتح بدون موافقات وبدون بطيخ..)

 هذه بعض العبارات اليومية المتداولة على ألسنة الناس في المدن السورية، في الواقع لم يعد خاف على أحد حجم الكارثة التي تعيشها سوريا حتى أن شاشات التلفزة أصبحت تكرر ذات المأساة منذ تسع سنوات والصمت هو الجواب دائماً. في الجهة المقابلة تجد الكثير ممن حالفهم الحظ و وصلوا إلى دول اللجوء يحلمون بالعودة ومنهم من عاد فعلاً لإنه لم يستطع التأقلم أو لأسباب أخرى، فماذا يعرف السوريون عن دول اللجوء؟ وهل هم فعلا سيحظون بحياة رغيدة أفضل من تلك التي يعيشونها تحت الحرب؟

الجواب متغير وكل يرى الأمور وفق بيئته وأسلوب حياته الذي خرج منه، لكن بالمختصر سنعطي عدة أمثلة عن السوريين الذين وصلوا إلى دول اللجوء:

القسم الأول وغالباً هم من الشباب المتعلم الذين جاؤوا ليغيروا حياتهم فعلا وهؤلاء من الأشخاص الذين يقدمون مثالا ناجحا، فهم قاموا بتعلم لغة البلد المضيف بسرعة وتجاوزوا أول العوائق التي ترهق المهاجر، ثم تابعوا حياتهم بشكل طبيعي ووجدوا عملا يناسبهم وأصدقاء واستطاعوا بناء قاعدة اجتماعية وعملية جديدة لهم، وهم في الغالب من النوع الذي لا يفضل العودة إلا في ظروف أفضل لبلده الأم.

 ٢_ القسم الثاني وهم القسم الأكبر سنا أي الذين تجاوزوا غالبا ٣٥ سنة أو الذين لم يكملوا تعليمهم في بلدهم الأم، وهذا القسم يواجه صعوبات كبيرة في التواصل والتفاهم مع البلد الجديد، وبالتالي يجد صعوبة في إيجاد عمل وصعوبة في تأمين حياته وحياة عائلته، فحتى صندوق المساعدة الاجتماعي يقدم له راتبا شهريا يسمح له بالحد الأدنى من العيش وطبعا ليست كل الدول تقدم مساعدة اجتماعية.

٣_ القسم الثالث وهو القسم الغير قابل للاندماج أبدا والذي يجد صعوبة في تغيير نمط حياته وتغيير أفكاره وأسلوبه، ويجد القوانين الجديدة مجحفة بحقه وتقوض صلاحياته التي ورثها من الأسرة والبيئة والقبيلة أحيانا.

 ٤_ القسم الرابع وهم المهاجرون القدامى، أي قبل عام ٢٠١١، فهولاء ينظرون غالبا بازدراء إلى كل المهاجرين الجدد ويعتبرون أنهم جاؤوا على طبق من ذهب ومع هذا تراهم يتململون ويترفعون عن العمل أو تعلم اللغة، بينما هم أي المهاجرين القدامى جاؤوا في ظروف أشد قسوة ودون معين ولم تُمد لهم يد المساعدة ومع هذا تعلموا اللغة واجتهدوا وعملوا حتى استطاعوا النهوض بأنفسهم لوحدهم.

 ومن هذه الأربعة أقسام تستطيع أيضا تقسيم المهاجرين من حيث انتماءاتهم وطوائفهم وأفكارهم ودياناتهم، فتجد نفسك أمام خليط كبير يصعب عليه الاندماج مع بعضه أولا ليندمج مع المجتمع الأوروبي ثانياً!

أما بالنسبة للعمل فهو حكاية أخرى، في الواقع لقد تعرفت على فتاة فرنسية الجنسية تبلغ ٣٥ عاما متزوجة ولديها طفلين، لكنها تشكو طوال الوقت من قلة المعيشة وسوئها وعندما سألتها عن راتبها و راتب زوجها قالت لي: أنها تتقاضى ١١٠٠ يورو في الشهر وتعمل من الصباح حتى السابعة مساء، بينما يتقاضى زوجها ١٢٠٠ ويعمل بشكل كبير أيضا، ومجموع ما يحصلانه يصرفانه على أجار المنزل وفواتير الكهرباء والماء والضرائب، حتى أن صندوق المساعدة الاجتماعي لايساعدهم إلا بمبلغ بسيط جداً، أي أن المهاجرين يحصلون رواتب من صندوق المساعدة وهم جالسون في بيوتهم بينما هي تعمل كل اليوم ولا تأخذ ربع المبلغ الذي يأخذونه. في الواقع بعض المهاجرين وقعوا في فخ التغيير وخصوصاً كلما تقدم بهم العمر، فوجدوا العمل صعباً وخصوصاً أنه بلغة أخرى، ووجدوا تعلم اللغة صعباً أيضاً وخصوصاً أولئك الذين لم ينالوا شهادة التعليم الأساسي في بلدهم الأم، فتراهم يلازمون بيوتهم لكن الدولة تطالبهم باستمرار بالذهاب إلى دورات تعلم اللغة أو العمل وإلا سيقطعون عنهم المساعدة الاجتماعية الشهرية، ومن هنا بدأ الكثيرون يحاولون تعلم اللغة أو إيجاد عمل في ورشات للدهان مثلاً أو عقود مع البلديات أو غيرها.

 الكثير من المهاجرين الجدد يرغبون في العودة إلى بلدهم الأم سوريا، ويجدون نفسهم غرباء في البلد الجديد فهو يوفر لهم الأمان والكهرباء والماء لكنه يجردهم من هوياتهم وانتماءاتهم وأفكارهم والكثير الكثير، فيجدون أنفسهم في صراع نفسي متواصل يصعب عليهم شرحه لأهلهم في الداخل السوري لإن أول كلمة سيسمعونها (نيالكم ياعمي، عايشين بنعمة وعم تتكبروا عليها)..

ومن ناحية أخرى، ستجد تقسيمات للنساء المهاجرات أيضاً، فالمرأة غالبا هي محور الاختلاف في أوروبا، فالتغيير الاجتماعي والانفتاح على ثقافات وحضارات و ديانات أخرى جعل الكثير من النساء السوريات ترى الحياة بشكل مختلف، وهنا تستطيع تقسيم هؤلاء النساء إلى ألف قسم وقسم:

فقسم منهن رفض التغيير وتقوقع على ذاته أكثر بدافع ديني أو بيئي أو غيره، وقسم رأى الحياة بلونها الوردي ورمى كل الموروث القديم ليبدأ حياته من جديد فثارت موجة من السخط ضدهن واعتُبرن عاهرات أحياناً لإنهن حاولن التغيير وغردن خارج السرب المتعارف عليه، وقسم حاول الاندماج بما يتناسب مع بيئته ومعتقده ومشى في طريق لايضر هذا ولا ذاك، وغيرهن الكثير الكثير..

 

 أوروبا جنة الله على الأرض لسوريي الداخل فهي توفر الماء والكهرباء والأمان والدفء، لكن اللاجئين إليها مازالوا يحلمون بالعودة دون ذكر أسبابهم لإنهم يعرفون حجم السخرية والشتائم الذي سيوجه لهم، وفي المقابل أغلب الذين اتخذوا قرار العودة بالفعل تراهم يشتمون اللحظة التي فكروا فيها بالعودة إلى حضن الوطن وكرهوا كل الشعارات الطنانة ومشاعر الحنين الغبية التي كانت تعصف بهم، وتمنوا لو يعود بهم الوقت ويرجعوا إلى أوروبا.

 في الداخل أو الخارج أنت مرهون بالألم، صفق لنفسك إنها لعنة السوريين.

 

نسرين عزام 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع