fbpx

أمل التلا سيدة النبك الحديدية

كان شهر كانون الأول من العام 2013 الأقسى على مدينة النبك طوال فترة المأساة السورية، حيث تحولت المباني في كثير من الأماكن إلى ركام نتيجة القصف المتبادل بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة، وهو ما حرم الأطفال من ارتياد المدارس، ما دفع أمل التلا للتفكير بحل عاجل.

أسست التلا التي يلقبها الناس بالمرأة الحديدية صندوقاً لجمع المال، عماده المغتربون بالخارج، وتواصلت مع غالبيتهم كي تعيد الأطفال إلى مدارسهم، وتعوضهم عما عاشوه خلال أيام من الخوف والرعب، ونزلت إلى الشوارع تزيل بيديها آثار الحرب، فكانت تلك اللحظات رسالة للناس كي يخرجوا من بيوتهم، ويبدؤوا العمل من جديد، حيث تكاثر المتطوعون من حولها، وتحولت ساحات النبك إلى ورشة دائمة لإعادة الإعمار بعيداً عن الانتظار والتسويف.

تقول السيدة الحديدية إنها ضد الحرب بكل أشكالها، والخاسر الوحيد هم الناس البسطاء الذين كانوا وقوداً لها، فالحصار الذي مرّ على مدينة النبك عام 2013 واستمر 20 يوماً، كان دافعاً للخروج إلى النور، حاولت خلالها مساندة الأهالي بما تستطيع من توفير للأدوية، وتأمين متطلبات العائلات الفقيرة، وساهمت بتوزيع المعونات من منظمة الهلال الأحمر على أهل المدينة بعد الدمار الذي حصل مباشرة.

وفي حديثها توضح «بدأنا بأعمال الإغاثة، حيث أصبحت المدينة خالية من جميع أنواع الاتصال والبنزين المازوت، في تلك اللحظات رأيت خلالها دموع الرجال الذين شاهدوا الدمار يحل بمدينتهم، وأعمالهم، وعاهدت نفسي أني لن أخرج من هذه البلاد ولو كان ذلك على دمي، وكنت متفائلة ومؤمنة بأننا سنعود أفضل من قبل».

كانت الوسيط والمحرض للعمل، فالمغتربون يعرفونها من خلال عملها التطوعي في الجمعيات الخيرة، ومساهمتها في دعم ذوي الاحتياجات الخاصة، وقدرتها على دعم الفتيات الراغبات بالعمل، وتطوير إمكانياتهن، خاصة أنها المربية التي أخرجت عائلات متعلمة وناضجة إلى النور، وتمتلك شهادة في الاقتصاد، وتعرف الأولويات جيداً، وتضيف خلال حديثها: «في هذه الفترات العصيبة، كان موعد امتحانات فصلية للطلاب، فبدأنا حملة نظافة للمدينة، وأول مكان ذهبت إليه المركز الثقافي الذي كان مدمراً، وكنت أرى أن إعادة بناء الإنسان أهم بكثير من إعادة بناء الحجارة،  فانضم لي العديد من الشباب والفتيات لمساعدتي بترميمه، كما رممنا المحكمة، والمجمع الحكومي بما يضم من خدمات للمواطنين».

عشرات الملايين التي أرسلها المغتربون بعد أن اتضحت صورة الدمار في المدينة الواقعة بالقلمون، والتي تعتبر عقد الوسط بين دمشق وحمص، فكان العمل متعباً، وكبيراً، لكنه ساهم ببث الروح وتحريك السوق، وتوفير يد عاملة كانت متوقفة عن الحلم، حيث تابعت التلا سرد حكايتها: «رممنا الثانوية الصناعية، وهي عبارة عن بنائين ضخمين جداً، وكلفت مبلغاً كبيراً من المال، لأنها كانت مدمرة تماماً، وكذلك رممنا مركز الصحة المدرسي، وأسسنا به صيدلية، ودعمناها بمبلغ مبلغ مالي لإحضار الأدوية، ورممنا المدارس من أسقف وجدران وزجاج».

لم تقف العملية على ذلك، فقد دعمت من نفس الصندوق كافة الطلاب في النبك، ووزعت عليهم القرطاسية، ودعمت طلاب الشهادتين الأساسية والثانوية العامة بدورات على حساب المغتربين، ولاحقت الطلاب المتسربين حتى يعودوا إلى مدارسهم، وكفلت الطلاب للتسجيل في الجامعات، وتبنت خمسة وأربعون طالباً وقدمت لهم شهرياً 20 ألف ليرة، لإكمال دراساتهم.

بعد أن عادت الحياة إلى طبيعتها بدأ البحث عن الفقراء والمحتاجين الشغل الشاغل لها، فقد أرسل مغتربو الكويت مبلغاً ضخماً من المال، حيث تقرر توزيعه على الناس لكي يعينهم على الحياة، ومن خلال ذلك أنشأت صفحة خاصة على الفيسبوك وضعت به كل قرش وصلها، وكيف تم صرفه، مع وضع اسم المتبرعين الذين لم يرغبوا بذلك، لكنها أصرت على الأمر من أجل الشفافية، وفي العام 2018 توجت أعمالها بإقامة العرس التراثي في سرايا النبك، فجمعت التحف والملابس الأثرية من البيوت، وكذلك الملابس التراثية، وصنعت مع عدد كبير من سيدات النبك الطعام التراثي المصنوع من القمح، وأقيمت الأفراح لعدد من الشبان الغير قادرين على إتمام مراسم زواجهم، وتكللت فرحتهم بمشاركة الأهالي الذين توافدوا للمشاركة.

المهندس محمد عبد الكريم بركة، المغترب في الكويت، وصفها بالمرأة الأمينة، وقال: “إن المغتربين الكثر في الكويت يثقون بها ثقة عمياء، ويعرفون أن الملايين التي ترسل بشكل مستمر تذهب للأماكن الصحيحة بفضلها، فهي حتى اللحظة لم تأخذ قرشاً واحداً نتيجة أعمالها اليومية، وتقول دائماً أن الله أعطاها الكثير، وليست بحاجة، وقد لاحظ المغتربون في بداية الأمر أنها تصرف من جيبها، وتقوم بالأعمال منفردة، ولهذا فهي المرأة الأمينة التي اهتمت بعشرات الأسر دون أن تطلب من أحد كلمة شكر، وكانت لا تطلب الدعم لأي مشروع قبل أن تباشر أولاً به، وبأغلب الأحيان من حسابها الخاص”.

السيدة المولودة في العام 1986 تتابع أعمالها في جمعية الأسرة، ومركز المجد لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث أنشأت مركزاً خاصاً بالفتيات.

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع