fbpx

الانتمائات السوريّة عبءٌ على ذاكرتنا

لجين عبد الرحمن – خاص أنا إنسان 

أذكر جيّداً اليوم الأخير في ذاك المكان, فانتهائي من الثانويّة العامّة كان يعني بدء إجازة طويلة في مدينة طرطوس, ولكن بعد خمسة عشر يوماً تفاجئت بأهلي محاطةً عيونهم بالسواد وهزيلين متعبين ” يبدو أنّ الخسران كان كبير هذه المرة” قلت في قرارة نفسي. كان أبي على الشرفة بين أفراد العائلة يسرد حكاية ” التهجير القسريّ” و يبدو أنّ صديق العائلة الفلسطينيّ هو من استطاع أن يخرج أهلي من المنطقة.

كانت الأشواك والأعشاب طويلة تُحيطُ المنزل من كلّ الجهات, حاول أبي و من معه إزالتها كي ندخل منزلنا الجديد في ريف طرطوس الذي هجرناه قرابة العشرين عاماً, لكن خروجنا الإجباريّ من مخيّم اليرموك لم يترك لنا سوى احتمال الانتقال لسكنٍ جديد بعيد عن الدمار والموت و محاولة البدء بحياةٍ جديدة.

خلال العودة إلى طرطوس ومحاولة التأقلم مع السكن الجديد واجهتنا صعوبات عديدة, فبدء حياة جديدة في زمن الحرب لم يكن سهل على غالبيتنا, لكن كان تأثير المدينة هو الأقوى عليّ, فانتقالي في سنّ المراهقة من مدينة لأخرى كان ينبت فيّ هجين من المشاعر والأفكار, إلى أن استطعت حتّى اليوم التّخلّص من أغلبيتها, فالمدينة فرضت ومازالت تفرض عليّ نوع من البشاعة في التعامل مع العديد من الأمور.

بدايةً تفرقنا بين جزء عاد إلى دمشق و آخر في هجرة إلى ألمانيا وبقينا أنا وأبي ننتزع الشوك من نقصاننا العاطفيّ العائليّ ومن خسارة لأرباح عمره بعد ثلاثين سنة في دمشق و تحديداً في مخيّم فلسطين. كلّ فترة كنّا نسمع أخبار جديدة, مثل شائعات المصالحة التي ممكن أن تحصل أو تمكّن تنظيم الدولة الإسلاميّة من السيطرة على مناطق إضافيّة في المخيّم !

صورة منزلي في مخيم  اليرموك

 

لكن بعد الأخبار الجديدة التي رأينا نتائجها على الإعلام يبدو أنّ “المصالحات” بدأت فعلاً بالنجاح, فعاملة باصات  “القدموس” أخبرتني بأنّ الحجز إلى دمشق مغلق الآن حتّى إشعار آخر, لقد أفرحني هذا بعض الشيء فلن أتمكّن أن أحجز تذكرة لوالدتي كي تسافر إلى العاصمة وهذا يعني أنّها ستبقى وقت أكثر, لم أفكّر كثيراً بما قد يحصل ميدانيّاً في المنطقة لكن متابعة أهلي المستمرّة لمشاهد الباصات المحمّلة بالناس جعلتني مجبرة على معرفة كل ما هو جديد, وبعد فترة فعلاً الشائعات تحوّلت لأخبار حقيقيّة, لكن تغيّر السيناريو بعض الشيء, فالمصالحات تحوّل بعضها لحرب جديدة تضرب مخيّم اليرموك, وهذا ما أقلق أهلي أن يتدمّر منزلنا المتّسخ أو غير الموجود أصلاً بعد كل هذا القتال.

انتهت الحرب في مخيّم اليرموك وبعد يومان بالضبط سُمح لسكّان المنطقة بالدخول و الكشف على بيوتهم, وفعلاً ذهبت أمي وأختي لاستكشاف المنزل والبحث عنه فالحطام يضيّع أيٍّ كان في منطقة حرب.

 

 

اجتازوا الحطام والحارات سويّة مع بعض السكّان و أخيراً استطاعوا رؤية المنزل يجلس متّسخاً في الطابق الثاني من البناية, لقد تحوّل وجهه الأبيض لرمادي كهل, و حُرق شعره الأخضر الذي كان يزيّنه, فهذه النباتات بالضبط كانت كأولاد لأمّي الذين سبّبوا لي الغيرة في طفولتي. صعدوا الدرج محاولين أن يتنفسّوا الصعداء من هول الفوضى الموجودة, فكل درجة كانت تزيد من أدرينالين الفضول وتزيد سرعة نبضات القلب, و عند وصولهم لم يتكلّفوا بإخراج المفاتيح من الحقيبة فالأبواب هربت مع الناس ربّما ويبدو أنّ عفش المنزل قد جنّ جنونه وتكسر من هول أصوات الحرب, وتخيّلت أنّ بعضه خرج يبحث عن سيّارة تقلّه و تضعه في منزل جديد ونظيف, فغرفة الجلوس بحاجة لعائلة تجلس عليها وتحترمها, وغرفة الضيوف اشتاقت لرائحة القهوة, أما غرفة النوم بحاجة لدفء يمسّها, فالبيت بارد وسخ وحقير الآن, تخيّلت أنّهم اجتمعوا جميعاً و وضعوا بنود يتّفقون عليها وفي النهاية قرّر بعضهم الانتحار وبعضهم قرّر بيع نفسه ولو بمبلغ زهيد لعائلاتٍ جديدة تحترمه وتنظّفه, ويبدو أنّ المكيّف قرّر البقاء والصمود بانتظارنا, فهو يعلم جيّداً المعاناة التي حصلت لحصولنا عليه وتقديرنا الكبير له في أوقات السنة كما الكتب التي وجدت نفسها عجوزاً غير مضطرة على الرحيل والبدء بين يدي قارئ جديد في عصر التكنولوجيا, واللوحات التي كانت تصنع مشهداً سورياليّاً على الحائط بين الفوضى والقذارة . هذه القصّة الخياليّة التي ابتدعتها كي أحبس الغصّة التي حصلت لنا و العبء الذي عانيناه و الخوف الذي يؤكسج أفكارنا, الحقيقة أتركها لكم, سأدع هذه الحكاية كالموناليزا يراها كلّاً منكم كما يفضّل أن يراها, ألم تدعنا الحرب كسيّاح اللوفر نرى اللوحة السوريّة كما نريد وكما نشعر وكما نفكّر, إلى أن تفرّقنا و خسرنا ذائقتنا الأخلاقيّة في رؤية الطرف الآخر ومعاناته !؟

إلى اليوم قراري بعدم زيارة البيت هو نفسه ” الرفض ” لا أحتاج لانتماءاتٍ جديدة, واليوم ما زلت في محاولة للتخلّص من الأفكار والمبادئ والانتماءات القديمة, لكن يبدو أنّ كلّ شيء تجذّر فينا وتحوّل لأعضاء عقليّة وعاطفيّة لا تستطيع قطعها, نعم فهذا هو المطلوب! التخدّر والتعوّد على كلّ شيء وخلق احتمالاتٍ وضيعة و قصص خياليّة وجنون, وجنون يلفّك ويلفّ محيطك إلى أن تخنق نفسك أو تبيعها بالمجّان, “ما هو الوطن؟ ” أسأل نفسي ؛ هو تلك الكلمة التي كُتبت على اللافتات وقُيلت في نشرات الأخبار وطبعت على المناهج المدرسيّة, وهي التي يدافع عنها جميعنا.

أعود لأجاوب ؛ هو تلك الفكرة التي أحاول التخلّي عنها ونسيانها وحذفها من الذاكرة.

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع