fbpx
أخبار

الحرب في سوريا حوّلت فنّي الأسنان إلى صانع العيون التجميلية.. تعرّف على قصته

كانت أصوات القذائف تعلو في أنحاء الغوطة الشرقية المحاصرة عام 2017، في حين تتعالى بالضحك أصوات عبد الرحمن ومريضه عمّار، بعد أن شاهد عمّار وجهه الجديد بالمرآة، إذ أنهى عبد الرحمن للتوّ تركيب عيناً صناعية لمريضه عوضاً عن عينه التي فقدها بشظية من قذائف النظام السوري.

 

عبد الرحمن درويش (40 عام)، مهنته الأساسية “فني تعويضات سنية” كان يعمل بها في ظروف الحصار القاسية، مع شح توفر المواد اللازمة لها. ونظراً لأعداد المصابين الكبيرة الناجمة عن سقوط صواريخ النظام اليومية على أحياء الغوطة، لاحظ عبد الرحمن تزايد أعداد من فقدوا عيونهم من أطفال ونساء ورجال، والأثر السلبي الذي يعكسه ذلك على حياتيهم اليومية لاسيما الأطفال والفتيات في ظل عدم وجود أي مركز مُختص بصناعة العيون التجميلية.

تفتحت بصيرة عبد الرحمن وقرر الدخول في تحدٍ مع الذات ومع كل ما يملكه من الامكانيات والقدرات، فهو في منطقة لا يكاد يجد الناس فيها لقمة عيشهم، ولا تتوفر الكهرباء ولا المحروقات، وحتى شبكة الانترنت التي ستكون بوابة التعليم، إن توفرت، فهي بطيئة جداً. لكن الرجل أتخذ قراره وسيمضي.

 

بدأ عبد الرحمن بالبحث في شبكة الإنترنت عن طرق صناعة العيون التجميلية “ثلاثية الأبعاد” والمعروفة أيضاً باسم العيون الزجاجية، وعن المواد المستخدمة والأدوات اللازمة لذلك، فوجد أن هذه الصناعة قريبة من مهنته الأصلية “صناعة الأسنان”

وبعدما مشاهدة عشرات الفيديوهات والتجارب عبر اليوتيوب، بدأ عبد الرحمن أولى تجاريه بصناعة العيون الزجاجية، وبإمكانيات بسيطة، وبدأت يداه تُبصر النجاح قبل أن تبصره العيون ذاتها، وصارت تُكوّن يداه مع أدواته الصغيرة تلك العيون التي لن تبصر، لكنها ستجلب البسمة قريباً إلى وجه صاحبها.

 

مع عدد من المرضى الذين فقدوا أعينهم؛ بدأ عبد الرحمن محاولاته بأخذ طبعة العين وبصمتها، فهذه المهنة توفر للمريض عيناً خاصة به، مطابقة لعينه السليمة، وتأخذ موقعها في تجويف العين المفقودة، بعكس العيون البلاستيكية المصنوعة مسبقاً. وبعد عدة تجارب في المنطقة المحاصرة منذ عدة سنوات والتي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.

نجح “فني الأسنان” في تكوين العين المفقودة للمصابين، وفي رسم بسمة على وجوههم أجمل بكثير من البسمة التي ترسمها الأسنان التي كان يصنعها.

 

وعن أسباب نجاحه يقول عبد الرحمن: “الإصرار هو الذي ساعدني على تحقيق الهدف رغم كل التحديات، وما كان يشجعني أيضاً هو حماسة المرضى ولهفتهم لرؤية وجوههم الجديدة، وكانت رغبتي بإسعادهم عاملاً مهماً للنجاح، وكنت أوثّق جميع الحالات قبل العمل وبعده، وكان الفارق يظهر على مستويين؛ الأول هو تعويض العين، والثاني هو ملامح الوجه المبتهجة”.

في آذار 2018 غادر عبد الرحمن الغوطة الشرقية بحافلات التهجير، وتابع عمله في التعويضات السنية في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي، وخصص قسم لصناعة العيون التجميلية، ورغبةً في توسيع مهاراته خضع عبد الرحمن لدورة تدريبية عبر النت في هذا المجال لدى شركة تركية مختصة، وتمكن لاحقاً، عبر الشركة ذاتها، من شراء مواد صناعية ذات جودة “جيدة” أفضل بكثير من المواد التي كان يستخدمها في الغوطة، ما رفع من جودة النتائج.

وعن طريقة عمله يشرح عبد الرحمن: “هذه الصناعة قريبة جداً من اختصاص صناعة الأسنان، ويتم فيه استخدام نفس الأدوات ولكن بطرق مختلفة، ونفس المواد ولكن بتراكيب وألوان مختلفة، ويتم أخذ قياس العين بطريقة مشابهة لطريقة أخذ قياس الأسنان، وتتشابه عمليات الحفر والتنعيم والصبغ والحفّ، لكن العين تحتاج لرعاية أكثر من حيث النعومة والألوان”.

 

وينوّه عبد الرحمن إلى أنه يصعب إجراء هذا العمل من قبل غير مُختصي التعويضات السنية، لأن الموضوع يحتاج لمعرفة خطوات العمل وفيزياء المواد وخلطها وتصلبها. وتحتاج عملية صناعة العين إلى عدة جلسات وتستغرق حوالي أسبوع، وبالنهاية تنتج عين مطابقة لعين المريض السليمة تماماً نظراً لأخذ بصمتها مسبقاً، وهذه العين خاصة بالمريض ذاته ولا يمكن تركيبها لمريض آخر بسبب اختلاف الشكل والقياسات.

ويشير عبد الرحمن إلى أن هذا الاختصاص نادر، ولا يتم تعليمه بشكل أكاديمي، إنما يتم بالتدريب وتناقل الخبرات بين العاملين فيه، وإنها كأي مهنة فيها خفايا يجب اكتشافها.

ويواجه عبد الرحمن عدة صعوبات في عمله إحداهما العجز على استيراد المواد ذات الجودة الممتازة من أوربا وإيصالها إلى الشمال السوري.

 ومن ضمن الصعوبات أيضاً عدم وجود جهات أو منظمات تهتم باحتياجات فاقدي الأعين وتدعمهم رغم أعدادهم الكبيرة، ويعجز هؤلاء المصابون عن تأمين ثمن العلاج بسبب الوضع المادي الصعب وعدم توفر مصادر الرزق، حيث أن حوالي 20% من المصابين فقط ربما يتمكنون من تأمين ثمن العلاج، في حين يعجز الباقون عن ذلك. رغم أن تكلفة العلاج في الشمال السوري أقل بكثير من السعر العالمي الذي يتجاوز 1000 دولار للعين الواحدة.

أهمية العيون التجميلية من جانب نفسي

وعن أهمية العيون التجميلية من الناحية النفسية؛ تقول طبية العيون آية حرب: “يساهم ارتداء العيون الصناعية في إعادة التأهيل الوظيفي والجمالي والنفسي للمصاب، حيث أن معظم المصابون يعانون من نقص التقدير الذاتي وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع بعد الإصابة”.

وعن الأهمية الطبية تضيف الطبيبة: “إن العين الزجاجية تدعم الوظيفة الطبية للأجفان، حيث تشكل البدائل العينية مستنداً داعماً يمنع حدوث انسدال الأجفان التالي لاستئصال العين وضمور التجويف العيني. كما تمنع حدوث الالتصاقات بين الأجفان والتجويف العيني المتبقي بعد الاستئصال، وتملأ الفراغ التشريحي المتشكل بعد الاستئصال”.

وتُؤكد الطبيبة على ضرورة توفير الرعاية المناسبة للعين المصابة من حيث النظافة والتعقيم المستمر منعاً لحدوث مضاعفات التهابية.

 

ويعبر عبد الرحمن الآن عن شعوره بالفرح بعد مشاهدته المصابين وهم يعودون للانخراط في المجتمع بعد تماثل عينيهم، وخاصة الأطفال والفتيات، إذ كان كثير من الأطفال الذين فقدوا عيونهم يمتنعون عن الذهاب إلى المدارس أو اللعب في الأحياء، بسبب العبارات القاسية التي يوجهها أصدقائهم لهم، أو بسبب الحرج من فرز السوائل التي تنزل من العين. وكانوا يلجؤون لارتداء نظارات شمسية في أجواء غير مناسبة لها.

وينهي عبد الرحمن قوله: “يمكن اعتبار العيون التجميلية من وسائل الدعم النفسي ومن وسائل علاج آثار الحرب خاصة في سوريا. وتشبه إلى حدّ كبير عملية تركيب الأطراف الصناعية من حيث النتائج النفسية.

منتصر أبو زيد

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع