fbpx

الشمال السوري… امرأة متزوجة من مقاتل أجنبي تروي مأساتها

انتشرت ظاهرة زواج سوريات من مقاتلين أجانب، والذين يطلق عليهم اسم “مهاجرين” خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.

وخلف هذا الأمر مع مرور الزمن الكثير من الأرامل والأطفال مجهولي النسب بعد تحفظ المقاتلين الأجانب عن إظهار أسمائهم الحقيقة مكتفين بأسماء مكناة، ما كان كفيلاً بضياع مستقبل العائلة ووضع الزوجات أمام تحديات مجتمعية يعاركن لتفاديها دون جدوى.

وتركزت الظاهرة في المناطق التي انتشرت فيها “المجموعات الجهادية”، مثل دير الزور وحلب وحمص وإدلب، ووثقت عشرات الحالات من زواج مقاتلين غير سوريين من.

وقال ناشطون أطلقوا حملة تحت عنوان “مين زوجك” إنهم وثقوا ١٧٥٠ حالة زواج لسوريات من “مهاجرين”، و١١٢٤ منهن أنجبن أطفالاً، وبلغ عدد الأطفال المولودين لآباء مهاجرين ١٨٢٦ طفلا، وذلك في مناطق إدلب وريف حلب الغربي وريف حماة.

والحملة تم إطلاقها عام 2018، وهي مبادرة دعت النساء السوريات لعدم الزواج من المقاتلين الأجانب، والتوعية لخطورة ما يترتب على الأمر من عواقب سلبية ليس على مستقبلهن وحسب وإنما على مستقبل أبنائهن أيضاً.

اقرأ: انتشار الفصائل المتشددة أبرز معوقات عمل المرأة في الشمال السوري

امرأة تروي مأساتها

في إحدى مخيمات أطمة شمال إدلب الحدودية مع تركيا، وضمن خيام عشوائية مهترئة وجدت رهف عباس (٣٧عاماً ) نفسها في خيمة قماشية بالية لا تقيها حر صيف ولا برد شتاء بلا عمل ولا شهادة ولا حماية مع طفلين لم يتجاوز أكبرهما الخمس سنوات.

بدأت قصة رهف حين تزوجت من أحد “المهاجرين الدواعش” وهو باكستاني الجنسية في أواخر الأربعينات من عمره يدعى “أبو الفاروق”، كان ميسوراً ووسيماً، لم تتردد في الموافقة عليه وخاصة بعد أن تقدم بها العمر وباتت في الثلاثينيات دون زواج، وأصبحت حظوظها بالزواج قليلة وفقا لعادات وتقاليد المجتمع الذي تعيشه.

تقول رهف في حديث لموقع أنا إنسان: ” تزوجته ولا أعرف اسمه الكامل ولا حتى عائلته.. لم أعد أحتمل نظرة المجتمع لي وهمس الأصوات من خلفي وقولهم أني عانس” .

وأضافت رهف إنها لم تكن مجبرة على هذا الزواج من أب أو أخ أو أي أحد بل وافقت عليه وهي بكامل إرادته.
وتابعت : “ربما قلة ثقافتي وتعليمي منعني من النظر إلى هذا الزواج على المدى البعيد، فحين وافقت على الزواج من مقاتل أجنبي كنت أحلم آنذاك ببيت وعائلة وأبناء وحياة مستقرة، كنت أتوق لحياة أسرية جميلة، ولم أتوقع أن أجد نفسي أعارك الحياة وحدي مع طفلين لا حول لنا ولا قوة”.

توجهت رهف مع زوجها من ريف إدلب الجنوبي باتجاه الرقة في الشمال السوري بعد طرد تنظيم داعش من مناطق إدلب من قبل فصائل المعارضة.

في الرقة عاشت رهف مع زوجها حياة وصفتها بالمستقرة نوعاً ما، العباءة والخمار الأسود لم تشكل عائقاً لديها فهي من مجتمع محافظ وزي النساء فيه لا يختلف كثيراً عن تلك الملابس.

علاقتها العاطفية به لم تكن بتلك الحميمية فقليلاً ما كانت تراه، حيث قالت:”ظننت في البداية أنه يحبني ولكنني أيقنت مع مرور الوقت أنه جنح للزواج بي كخيار أقل مسؤولية وكحل بديل عن إحضار زوجته المنحدرة من ذات موطنه الأصلي، لم يكن يتوانى عن الحديث معها خفية كلما سنحت له الفرصة وفي وقت لاحق بات يحدثها أمامي دون اكتراث لمشاعري”.

أنجبت رهف، أحمد وعائشة، وسعدت بقدومهما وشعرت أنها بدأت تحظى بأسرة حقيقية. وبعد بدء هجوم قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن على الرقة للقضاء على التنظيم بتاريخ ١٤آب/ أغسطس ٢٠١٧ ذهب أبو الفاروق مع بقية المقاتلين فجأة دون أن يترك لزوجته كلمة وداع أو يخبرها أين يمكن أن تذهب مع الأولاد وسط كل تلك المخاوف.

وبين نيران القصف المشتعلة في كل مكان وبكاء النساء والأطفال الهائمين على وجوههم لا يعلمون شيءً عن مصيرهم المجهول، خرجت رهف حالها حال الكثيرات، باحثةً عن ملاذٍ آمنٍ لأبنائها.

لم تتمكن رهف من معرفة أي شيء عن زوجها المفقود ، وهو ما ترك طفليها دون نسب، هل قتل أم هرب أم حوصر أم عاد إلى بلاده، تساؤلات عدة راحت تجول في مخيلتها دون جواب.

وكل ما فكرت به آنذاك هو النجاة مع طفليها، ودفعت مبلغاً من المال كان بحوزتها لأحد المهربين لمساعدتها في الوصول إلى إدلب حيث يقيم أقربائها، وفعلاً تمكنت من الوصول بعد مغامرات ومشاق عدة طوال الطريق تمثلت بحواجز وتفتيش وملاحقة لعوائل تنظيم “داعش”.

وبعد دفع الكثير من المال الإضافي ونفاذ كل ماتملكه رهف من نقود بغية إرضاء المهربين تمكنت من الوصول أخيراً.
وقالت: “حين وصلت إدلب شعرت أنني وصلت إلى بر الأمان، وماهي إلا أيام قليلة حتى بدأت أشعر بالوحدة والمسؤولية الثقيلة على عاتقي، وحين بدأ طفليّ سؤالي عن أبيهما اعتصر قلبي ألماً على نفسي وعلى أطفالي الذين باتوا أيتاماً بلا أب أو معيل، إقامتي مع أقربائي كانت مؤقتة إذ لايمكنني المكوث طويلاً في بيت يضج أصلاً بساكنيه”.

اختارت رهف الانتقال والعيش مع طفليها في خيمة على أن لا تكون عالة على أحد.

تخرج رهف كل يوم بين الأراضي الزراعية القريبة من المخيم لجمع بعض الحطب والعيدان واستخدامها لطهو طعام طفليها بعد عجزها عن تأمين الوقود نظراً لارتفاع أسعار المحروقات بشكل يفوق قدرتها المادية.

لم تستسلم رهف لواقعها المرير رغم كل الظروف بل اعتمدت على نفسها في تلبية احتياجاتها واحتياجات أبنائها بعد أن راحت تعمل في الأراضي الزراعية بأجرة بسيطة بغية الحصول على المال وشراء بعض ما يلزم.

تحدثنا: “ذقت مرارة الحياة، وكل ماحولي كان مظلماً، الحمل الثقيل والخبرة القليلة، لا شهادة ولا مهنة ولا زوج أتكأ عليه، كل ذلك أشعرني بالعجز والاستسلام، آلمتني الصدمة ووعيت أنني في بحر متلاطم لم يعلمني أحد فيه السباحة، وأيقنت في النهاية أنني فقط المسؤولة عما حدث معي“.

حين يحل الظلام ويخلد ساكني المخيم للنوم، حيث لا صوت يسمع سوى صوت نباح بعض الكلاب الضالة، تخمد رهف مصباحها الزيتي مبقية نور خافت داخل خيمتها المتواضعة، وتحضن طفليها وهي تحلم بأملٍ قادم مع يوم جديد.

خاص أنا إنسان – هاديا منصور

تابعنا على الفيسبوك : أنا إنسان

تابعنا على يوتيوب : أنا إنسان youtube

حسابنا على تويتر : أنا قصة إنسان 

مجموعتنا على الفيسبوك : أنا إنسان

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع