fbpx
رزان تمارس عملها ممرضة بعدما صارعت الحياة ونجحت (خاص أنا إنسان)

رزان قصة حقيقة لإرادة حققت المستحيل

ككثير من الحكايات الخيالية عاشت رزان مع زوجة أخيها تحت سقف واحد، وعندما تسألها عن حياتها معهم تجيب باقتضاب: “حياة تعيسة”. إذ كانت تشعر أنها عبء ثقيل.
رزان السليم (28 عاماً) هي وحيدة والديها مع شقيقين. الأول اعتقله النظام منذ بداية الحراك الثوري، واستشهد والداها في إحدى غارات الطيران الحربي على مدينتها معرة النعمان، فعاشت مع عائلة الأخ الثاني.
رزان ككثير من الفتيات تحلم بزوج وأولاد يملؤون حياتها بالفرح والسعادة، إلا أن حياتها مع زوجة أخيها التي تعاملها معاملة سيئة، رغم أنها تقوم بجميع أعمال المنزل، وحتى تربية الأولاد دون أن تنطق بكلمة واحدة، جعلتها غريقة في بحر من الظلم والرضوخ، فهي مجبرة على الصبر والتحمل، فلا يوجد مكان آخر تلجأ إليه، حتى صارت تتمنى أن يتقدم لخطبتها أي رجل (وإن كان طاعنا في السن أو متزوجا(، علّها تتخلص من هذه العيشة البائسة.
في الخامس والعشرين من آب عام 2015 تقدم لخطبتها رجل من مدينتها، كان في السادسة والأربعين من عمره، متزوج وعنده أولاد وبنات. مادياً كان كما يقال (على قد الحال)، ورغم كل ذلك وافقت رزان على الزواج، كما وافق أخوها على الفور دونما تردد ودون أي شروط علّه يتخلص من همها ونفقتها.
زفت العروس إلى بيت زوجها الذي كان عبارة عن غرفتين صغيرتين بالكاد تتسعان لجميع أفراد العائلة. لم تستطع رزان أن تنسى في ذلك اليوم نظرات زوجته وأطفاله حين دخلت المنزل. لم تمر سوى أيام قليلة على زواجها حتى اكتشفت أنها لم تنتقل لحياة أفضل، وأدركت أن السعادة خصهما بعدما رأت الكراهية في وجه كل من في البيت.
كان الجميع يكرهونها ويعاملونها معاملة الخادمً، وكانت زوجة الأخ تصطنع المشاكل بشكل مستمر، حتى استطاعت أن تؤثر على زوجها وتحرضه ضدها حتى بات يضربها في كثير من الأحيان.
طيلة الوقت كانت تتعرض لكلمات جارحة كونها وافقت على الزواج رغم كل هذا الفقر الذي يعيشه الزوج، كما لم تسلم من ألسنة الجيران ونقدهم لها، وكأنها ارتكبت جريمة لا تغتفر، ففي يوم من الأيام قالت لها إحدى الجارات ساخرة: “هل جئت لتقاسمي ضرتك هذا القصر المنيف”.
تقول رزان:”كان وقع كلماتها على مسامعي كالصاعقة، شعرت حينها بأنني لست إلا فريسة هشة يتناوب عليها كل من حولي، لكنني لم أجد بديلاً من الصبر والتحمل، طالبةً من الله أن يرزقني الولد علّه يعوضني وينسيني بعضاً من آلامي”.
رزقت رزان بابنتها نور بعد مضي سنة ونصف على زواجها، وأضفت نور على حياة أمها شيئاً من السعادة، وعندما تجاوزت الطفلة عمر السنة والنصف ولم تتمكن من المشي، أخذتها الأم إلى النقطة الطبية، لتفاجئ بكلام طبيب الأطفال الذي أكد لها بأن الطفلة تعاني من نقص شديد في التغذية وانخفاض في نسبة الكالسيوم لدرجة كبيرة في عظامها، وشدد على ضرورة إعطائها حليب الأطفال بشكل مستمر، إضافة لأدوية مدعمة بالفيتامينات لتعويض النقص، حزنت رزان كثيراً وبكت بكاء شديداً في ذلك اليوم.
تقول رزان: “كان حلمي أن أنجب أطفالا يكونون عونا وسندا لي حينما أكبر، فوجدت نفسي أجهز عليهم بسكاكين الجوع والمرض والحرمان، فكيف لنا أن نستطيع شراء علبة الحليب والتي يتجاوز سعرها الثلاثة آلاف في حين أن زوجي بالكاد يستطيع تأمين لقمة العيش لعائلته الكبيرة”.
إلا أن بصيصاً من أمل قد تسلل لحياتها حين علمت من إحدى جاراتها بأن هناك منظمة توزع الحليب المجاني لأطفال الفقراء، فسارعت على الفور وسجلت طفلتها، وأصبحت تستلم ثلاث علب حليب عند بداية كل شهر.
لم تكمل نور الصغيرة العامين حتى أنجبت رزان ابنها سالم، وكأن سالم جاء إلى هذه الحياة ليتقاسم مع أخته ألم ومرارة الجوع والفقر مضافاً إليه اليتم.
ففي اليوم الذي أكمل فيه عامه الأول توفي والده أثناء عمله ببيع الخضار نتيجة انفجار عبوة ناسفة كانت قد زرعت في وسط السوق، لتغدو رزان إلى جانب كل هذا البؤس والشقاء أرملة ويصبح أطفالها بلا أب.
وما إن انتهى العزاء حتى قامت ضرتها وأولادها بطردها من المنزل، إلا أنها في هذه المرة قررت بأن تعتمد على نفسها وتعمل كي لا تبقى عبئاً على أحد.
كانت قد سمعت قبيل وفاة زوجها من إحدى قريباته بأن مركز النساء يقيم دورات تدريبية للنساء لتعليمهن على مهن مختلفة من بينها مهنة التمريض، فقررت تعلم هذه المهنة بكل عزيمة وإصرار، وخضعت لدورة مدتها ستة أشهر في هذا المجال، وحصلت على شهادة في التمريض.
استطاعت أن تحصل بموجبها على وظيفة في إحدى المشافي الميدانية كون هذا الاختصاص أصبح مطلوبا جداً في ظروف الحرب، وبدأت أحوالها المادية تتحسن بعد أن أصبحت تتقاضى راتباً جيداً، ونجحت في إعالة نفسها وأبناءها دون انتظار الشفقة من الآخرين، كي تؤمن عيشة كريمة لأطفالها الذين باتوا أملها الوحيد في هذه الحياة.

نهى الحسن

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع