علا كيلاني … حكايتي مع الحب والحرب واللجوء

المشاهدات: 6215

مها ياسين

” المرأة نصف المجتمع ” لايؤمن بهذه المقولة الشهيرة إلإ من يثق بقدرات الجنس الناعم ويعتبرهن ندأ إيجابياً في الحياة والمجتمع لا كائناً هامشياً تابعاً له، ولقد تميّزت المرأة عبر العصور بدورها الفعّال واللافت في جميع مجالات الحياة، فكانت هناك الامرأة الشاعرة والمحاربة والفنانة وسيدة الأعمال.

لكنني لست الآن بصدد الحديث عن نساء اشتهرن عبر التاريخ، وساهمن في صنع الحضارة البشرية، بما توافر لهن من عوامل النجاح والإبداع، ولكنني سأتحدث هنا عن المرأة اللاجئة، التي لم تستطع حتى آلة الحرب الوحشية من محو كيانها، هذه المرأة التي أرغمتها قسوة الحياة على هجر موطنها الأم وقذفتها في بلاد الاغتراب والمنافي، ولكنها أبت إلّا أن تبقى وردة شامخة تنثر عطر نجاحها في كل تربة جديدة أينما حلّت وحيثما ارتحلت.

من العاصمة الفرنسية، باريس، أبدأ قصة الشابة اللطيفة الطموح، عُلا أسامة شدود الكيلاني، كما ترغب أن يُذكر اسمها، فأسامة شدود هو اسم والدها المغيّب قسراً في معتقلات النظام السوري منذ عام 2012 وإلى يومنا هذا، والكيلاني هي عائلة زوجها، وكما تصفه علا شريك الفرح والحزن، الوطن والغربة، ورفيق الدرب وأساس النجاح.

تبلغ عُلا من العمر التاسعة والعشرين عاماً، وهي من مدينة سلمية السورية، وسَلَميَة مدينة سورية تقع على بعد ثلاثين كيلومتراً إلى الشرق من مدينة حماة في وسط سوريا، وقد أطلق اليونانيون اسم سلاميس على مدينة سلمية اعتزازاً بانتصارهم على الفرس في معركة سلاميس. وهو اسم مدينة على بحر إيجة نظراً للتوافق بين المدينتين في المناخ والشكل، ويرى البعض الآخر بأن كثرة المياه فيها جعل الناسَ يطلقون عليها سيل مياه أو سيل ميه، وحُرِّفَ إلى سلمية.

بصوت دافئ مشبع بالحب تروي لنا عُلا قصة اغترابها التي بدأت منذ حوالي الثلاثِ سنوات.

وهي التي درست الصيدلة في جامعة البعث السورية وتخرجت فيها عام 2012 وحين بدأت بدراسة الماجستير -تخصص تشخيص مخبري- في دمشق كانت الأوضاع الأمنية تتدهور يوماً بعد يوم، إضافة إلى الضغوط النفسية القاهرة التي كانت تستشعرها كل يوم عند رؤية صور رئيس البلاد المنتشرة هنا وهناك، إضافة إلى الحواجز الأمنية المبعثرة في معظم شوارع الشام ، وهي التي تعلم تماماً أنهم هم من اعتقلوا أباها دون أن تقوى على فعل أي شيء ،لأنها تعلم يقينا أن مصيرها المحتوم هو ذاته المصير المشؤوم لكل من هتف ” حرّية ” أو نادى بالإفراج عن المعتقلين .

تقول عُلا: “إحساس العجز كان يقتلني إضافة الى شعور دائم بالغربة بات ينتابني هناك، لم أعد أشعر أن دمشق هي ذاتها دمشق المدينة التي كانت تفتح ذراعيها لنا وتغمرنا كالأم بدفء أنفاسها ، لابل  أن سوريا كلها ماعادت موطناً لأهلها ، ولذلك قرّرت عُلا عدم إكمال دراسة الماجستير بالرغم من أنها كانت في الفصل الثاني من السنة الأخيرة وجمع ما تبقى من أشيائها وذكرياتها في حقيبة صغيرة والرحيل”.

كانت تركيا محطة العبور لعلا ومعتصم -زوجها- ومنها قدموا إلى فرنسا، باريس، في شهر آب/أغسطس عام 2015، وذلك بفيزة لجوء سياسية، وهنا بدأت رحلة أخرى من الاغتراب لاتشبه غربتها في وطنها سورية ، فكل شيء مختلف وجديد هنا، لغة وعادات وثقافة جديدة، شوارع وحارات وحدائق كلها جديدة أيضاً ، وبداية لرحلة جديدة .

 قررت عُلا وزوجها أن تكون بداية أمل ونجاح لهما، وأن لا يجعلا الماضي وذكرياته الأليمة في سوريا معوقاً لانطلاقهما في هذا البلد كما هي حال الكثيرين في بلاد الاغتراب الذين مازال ماضي حياتهم وذكرياتهم يقف عائقاً للاندماج هنا.

لا يستطيع أحد أن ينكر الظروف الصعبة للاجئ هنا في باريس، كغلاء المعيشة وصعوبة توّفر السكن، وعدم تسهيل أمور اللغة والاندماج، فالدولة لا تقدّم مثلاً فرصة تعلّم اللغة، فقط المجتمع المدني الفرنسي المتمثّل بالجمعيات والمنظمات المدنية هو من يهتم بهذا الأمر، وهذا ما يجعل عملية الاندماج أصعب على الفرد، وتترتب على مقدرات كل فرد بنفسه وعمله على ذاته، وهذا ما قامت به علا عند قدومها إلى باريس.

تقول عُلا: ” في بداية وصولنا الى هنا كان الأمر صعباً، شعرنا بالطبع بغربة مختلفة الطعم عن غيرها، ولكنني اعتبرت هذه التجربة كمجموعة من التحديات.. تحدّي اللغة والاندماج، تحدي الماجستير، تحدّي العمل.. وقررتُ الخوض في معترك الحياة، ولأن اللّغة مفتاح أي باب للاندماج قررت البدء بتعلم اللغة الفرنسية في منظمة فرنسية خاصة، في الوقت نفسه الذي كنت أتابع فيه أوراق اللجوء، لم يكن الأمر سهلاً”، تكمل عُلا: فلقد بدأت كطالب مرحلة ابتدائية اتعلم نطق الأحرف الفرنسية والأرقام وفصول السنة!

وتضيف: بعد سنة من تعلّم اللغة، قررتُ المغامرة والبدء بالماجستير، كنت أعلم أن خطوتي تلك فيها تسرّع ومجازفة قليلاً فسنة واحدة ليست كفيلة لأي شخص بأن يتقن اللغة ويكمل في الجامعة، ومع ذلك راسلت جامعات كثّيرة وجاءني القبول من إحداها.

بدأت عُلا ثاني تحدٍّ لها وهو تحدي دراسة ماجستير ” “Biologie علم الأحياء، اختصاص  “vaccinology” صناعة اللقاحات، تقول : كانت هذه الخطوة من أصعب التحديات التي واجهتها في حياتي، وكلما شعرت بالتعب أتذكر أنني تحديت نفسي لأفعلها، بالإضافة إلى كلمات أبي التي ماغابت يوماً عن مخيلتي فلقد كانت رغبته بأن أكمل دراستي وٍأفعل ما بوسعي لتحقيقها .. وبالطبع كان لمعتصم  -زوجي- الدور الأكبر والأساس الأهم في وصولي إلى تحقيق ماأحلم به ، رافقني خطوة .. خطوة، فلقد كان حبه ودعمه وتشجعيه المستمر دافعاً لي بأن أعمل أكثر وأكثر، وبالفعل عملت ونجحت، ولم يكن نجاحاً عادياً فلقد استطعت الحصول على المرتبة الثانية في الكليّة!

 كنتُ فخورة جداً بنفسي وأظن فرحي هنا كان من أكبر أفراح حياتي، زال تعب السنة كلها عند سماعي الخبر، وازددت إصرارا على تحقيق المزيد من النجاحات، وكنت جاهزة لأبدأ تحدي الاندماج في سوق العمل.

وبالفعل راسلتُ كثيراً من المشافي، وكنت أعلم أن الأمر يسلتزم الكثير من الوقت، فالجميع هنا أخبروني أنني بحاجة الى مراسلة مشفى واثنين وحتى عشرة، وأنني سأتقدم لأكثر من مقابلة عمل حتى أنجح بالفعل ، وذلك بسبب كثرة الخبرات في هذه البلاد والعدد الكبير الذي يتقدّم لأية فرصة عمل كانت !

ولكن الحظ كان حليفي، ولقد قام أول مشفى راسلته باستدعائي لإجراء مقابلة عمل، كنتُ متوترة جداً فهذه هي أول مقابلة عمل أقوم بها في حياتي، فلقد خرجت من سوريا طالبة وجئت الى هنا طالبة.. فرحة جديدة وخبر سعيد جديد، كانت مقابلتي جيدة جدا ولقد اختاروني لأعمل مبدئيا لمدة شهر واحد بالنيّابة عن أحد الصيادلة الذي كان في إجازته الصيفية، أنهيت الشهر وأثبت جدارتي في المشفى مما دفعهم الى أن يحتفظوا بي، وأنا الآن أعمل في نفس المشفى منذ حوالي السنة تقريبا، أنا سعيدة جداّ هنا – تعقّب علا – فلقد أصبحت أشعر أن هذا المشفى هو عائلتي الثانية ، فأنا أقضي هنا من الوقت أكثر مما أكون في المنزل، جميع من يعمل هنا أصبحوا أصدقائي داخل نطاق العمل وخارجه.

ترى عُلا نفسها بعد سنوات من الآن، فرنسية كغيرها من الفرنسيين، تتكلم لغتهم وتحمل هويتهم، فبعد ثلاث سنوات من إقامتها هنا.. تشعر بأن هذه المدينة باتت جزءاً منها وتشعر بالانتماء لها، فجميل ومهم – كما تقول –  أن يبني الفرد علاقة بينه وبين المدينة التي يسكنها، أن يصبح له ذكريات في هذا الشارع أو ذلك المقهى، وهو ما تنصح به اللاجئين، وهذا أيضا كما تقول سبب ساعدها على الاندماج هنا، وتكمل: يجب على الفرد منا عندما يصل أن يضع لنفسه هدفاً محدداً وأن يسعى له، لا يجب على الشخص أن يستمع لما يقوله الآخرون المحبطون، يجب عليه الإيمان بنفسه وبقدراته على النجاح وأنا متأكدة أنه سينجح!

لا تفكر عُلا حاليا بالرجوع الى سوريا، وردا على هذا السؤال قالت: طالما أن نظام الأسد مازال موجوداً في سوريا فخيار العودة أمر غير وارد أبدا، وتكمل: كيف لي بعد أن شعرت بقيمتي كفرد هنا وبالحرية والمساواة أن أعود الى بلد يقوم عليه حاكم يجرّد شعبه من أبسط حقوق الحياة ! وتمنّت علا أخيراً زوال هذا النظام المستبد وخروج أبيها وكل المعتقلين من السجون والمعتقلات، وأن تتاح فرصة العيش مرة أخرى لهذا الشعب الذي أثبت بالرغم من  مرور كل هذه السنين أنه يستحق الحياة  ، لأنه يعشق الحياة!

وفي هذا السياق فلقد أكدت فرنسا مؤخراً، معارضتها للعملية المطروحة فيما يخص إعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم، معتبرة أن هذا الامر -وهمي – حاليا لأن الشروط المطلوبة لعودتهم الطوعية والكريمة والآمنة لم تكتمل بعد.

وتعد فرنسا من أقل الدول التي استقبلت لاجئين سوريين مقارنة بغيرها، كألمانيا والسّويد، لأن ظروف الاندماج هنا كما يقول البعض أصعب من غيرها، ولكن فرنسا تتميّز وتتفرد فيما يخص الوضع القانوني للاجئين فهو يعتبر أفضل من حيث مدّة الإقامة التي تصل الى 10 سنوات وهو ما يميّز فرنسا عن غيرها، إضافة الى توّفر الطبابة والضمان الاجتماعي وتعليم الأطفال.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع