أخبار

أم يتيمين تحلم بمطبخ صغير ..ومعرفة أين دفن زوجها

أمين محمد شاهين

خرجت سميرة من قرية العتيبة في ريف دمشق بعد أن ذاقت مرارة القتل والقصف والجوع، حاملة بين يديها طفلتها الصغيرة، وتحاول بشجاعة المرأة المجروحة؛ حراسة وحيدها من أي أذى، على أمل الوصول بهما إلى بر الأمان. لكنها اكتشفت بعد استقرارها في بلدة أشرفية صحنايا أن الحرب لم تنتهي هنا، وأن غول الجوع والحسرات يلاحقها حتى وهي في أمان.

تقول سميرة لموقع أنا إنسان: أسكن مع والدي وأخواتي المتزوجات في بيت واحد، وكل عائلة استقلت بغرفة صغيرة هي كل عالمها، ولولا وجود صاحب البيت الذي سمح لنا بالإقامة فيه مهما كان عددنا لما علمت ما سيصيبنا، فقد خرجنا من الغوطة بثيابنا بعد أن مات الرجال في الحرب، ولم يكن باستطاعتنا تأمين مقومات حياة كريمة لأطفالنا.

وتابعت: كان زوجي مزارعاً يكسب مالاً حلالاً من تعبه اليومي، وكانت ظروفنا ممتازة قياساً بالناس، وعندما اشتدت الحرب في الغوطة؛ كان زوجي من أوائل الذين قبض عليهم، ومات في سجون النظام دون أن نعرف كيف ولماذا، وأين دفنت جثته. وبعد أن تلقيت الخبر؛ كنت متيقنة بأن الأيام السوداء لم تأت بعد، ولهذا فأنا أصبر وأصبر حتى لا يشعر ولداي بالحاجة والنقص.

في مقرها المؤقت؛ ورغم تقديم المنظمات والأهالي المساعدة للعائلة الكبيرة التي تجمعت وكأنها ولدت من جديد، تقاسم الجميع المطبخ والمنتفعات دون أي خصوصية لأحد، وكانت المدفأة الوحيدة تقبع في غرفة الوالدين الكبيرة؛ حيث يتجمع الأطفال الكثر حولها طامعين بقليل من الدفء والسعادة، لكن الكبيرين في السن لا يستطيعان الصبر الطويل على لعب الأطفال، وأصواتهم المرتفعة، وهو ما يجعل الأخوات الثلاث يأخذن أطفالهن وحبسهم في الغرف الباردة.

وتضيف سميرة أنها حاولت أن تنفصل عن والديها لكي يكون لطفليها حياة جديدة مستقلة، ولكنها عجزت عن ذلك؛ لأن الأعمال التي كانت تقوم بها لا تمكنها من الاستقلال بمنزل، خاصة أن أجرة أي منزل يفوق طاقتها بكثير. وتؤكد أن الناس في الأشرفية طيبين جداً، وقد اكتشفت كرمهم وغيرتهم طوال السنوات الماضية التي عاشتها بينهم، فهم يحترمون الغريب، ويشفقون عليه، لكن الأوضاع المادية لغالبيتهم باتت سيئة جداً، حتى أولئك الذين كانوا يقصدونها للمساعدة في تنظيف بيوتهم لم يعودوا قادرين مادياً.

حاولت الأرملة الشابة العمل في المحلات الخاصة، لكن الرواتب كانت زهيدة جداً، وأوضاع أصحابها لا يسمح بعد أن خفّت قوة الشراء لدى المستهلكين، فتقدمت لكي تعمل في دوائر الدولة بوظيفة لمدة أشهر، أو موسمية، ولكن ذلك أمر اكتشفته أنه مستحيل؛ ويحتاج لواسطة كبيرة لا حيلة لها به، ولهذا فهي تخرج كل يوم صباحاً باحثة عن بصيص أمل، لعلها تستطيع أن تعود بلعبة لطفليها الصغيرين، أو بوجبة طعام دسمة يمكن أن تدخل الفرح لقلوب أطفالها وأطفال شقيقاتها اللواتي يعانين مثلها.

وتختم المرأة الصغيرة في العمر، أنها لا تحلم بالتبرج أو الوقوف أمام المرآة كسائر النساء، ولا يعنيها أي شيء جديد في هذا العالم، فقط تحلم بمطبخ صغير مستقل، وأن تستطيع معرفة أين دفن زوجها لكي تستطيع طلب الراحة لنفسه.

يقول الشاب دانيال رزق لموقعنا أنه حاول مع مجموعة من الشبان إيجاد عمل مناسب لسميرة، لكن إمكانياتها العلمية حالت دون ذلك، وقد تركز عملهم على تأمين وضع الأطفال بالمدرسة والاهتمام المعنوي فيهم، وتقديم بعض المساعدات العينية لهم، فالمهجرون كثر، وغالبيتهم فقراء معدمين؛ خرجوا من بيوتهم هرباً من الموت دون أن يستطيعوا حمل شيء معهم.

الفقر يكبر كل يوم، وهذا الغول الذي يلاحقنا، نحاول أن نبني خنادق كبيرة من المحبة فيما بيننا كي لا يبلعنا جميعاً.

التعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *